بقلم: عبدالجليل الباشا
الحروب في السودان:
الح.رب ظاهرة اجتماعية لازمت البشرية منذ القِدم؛ فهي متعددة في طبيعتها وأشكالها وأنواعها وأساليبها حسب أهداف أطرافها. ومهما تعددت أنواع وأشكال الح.روب، فإن القاسم المشترك بينها هو العنف المؤدي إلى الق.تل والدمار والخراب، بعكس الصراع الناتج عن تناقض الأهداف وتضارب المصالح. ومن هنا، يمكن القول بأن هناك حقيقتين لا يخلو منهما أي مجتمع بشري وهما الصراع والتنوع، باعتبار أن البشر يختلفون في بيئاتهم ونشأتهم وتاريخهم ونظرتهم للحياة وأهدافهم ومصالحهم. وبالتالي، من الطبيعي أن يكون هناك تناقض في الأهداف وعدم توافق حول المصالح، الأمر الذي يستوجب التعاطي السلمي بحسن إدارته لخلق التوازن المطلوب لاستقرار واستدامة السلام في المجتمع.
ح.رب 15 أبريل:
الح.رب في السودان بدأت قبيل الاستقلال كنتيجة حتمية لمتلازمتي أزمة الحكم والأزمة الفكرية لدى النخب. حيث فشلت جميع الأنظمة الوطنية التي تعاقبت على حكم البلاد في إيجاد معادلة لإدارة التنوع بشكل متوازن ومنصف يحقق العدل والمساواة في رحاب المواطنة المتساوية، مما أدى إلى ظهور الفجوة التنموية والسياسية التي تداخلت مع الإثنية في مناطق بعينها لتغذي الاحتجاجات الجهوية، التي أنتجت ما يُعرف اليوم بصراع المركز والهامش الذي تطور وتفاقم بفعل سياسات الأنظمة الشمولية إلى ح.روب لا تخرج أسبابها عن الآتي:
عدم العدالة في توزيع الثروة والسلطة.
عدم التوازن في التعبير عن التنوع الثقافي.
الجدل حول قضية الهوية.
عدم وجود رؤية واضحة حول علاقة الدين بالدولة.
عدم التوازن في العلاقات الإقليمية والدولية.
صحيح أن ح.رب 15 أبريل كان السبب المباشر فيها هو الخلاف حول عملية الإصلاح الأمني والعسكري، وبشكل أدق حول عملية السيطرة والتحكم ومُدة إدماج الد.عم الس.ريع في القوات المسلحة، ولكنها لا تختلف في أسبابها الجوهرية عن الح.روب السابقة. ولكن الفرق بينها وبين الح.روب التي سبقتها في أنها اندلعت في العاصمة بين فصيلين عسكريين كانا جزءاً من السلطة، ومن ثم انتشرت في الولايات والمدن، وكانت هي الأشرس والأعنف. ولذلك خلفت نتائج كارثية غير مسبوقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، سواء كان ذلك في حدة الانقسامات السياسية أو حجم الم.وت وعدد الجر.حى واللجوء والنزوح وتدمير البنية التحتية والخدمية. ولكن يمثل الخطر الأكبر في التشظي الاجتماعي والوجداني المدعوم بخطاب الكراهية والعنصرية، بشكل أصبح يهدد البلاد في تماسكها ووحدتها.
استغلال الدين في التعبئة والتحشيد للح.رب**:
على المستوى الشخصي لا يساورني شك من خلال متابعتي للشواهد وتطورات الأحداث بأن هذه الح.رب أشعلها الإسلاميون من فلول النظام المباد لمحو آثار ثورة ديسمبر المجيدة بالقضاء على الد.عم الس.ريع بسبب انحيازه للاتفاق الإطاري، ومن ثم الانقضاض على قوى الثورة التي يناصبونها العداء والكراهية أكثر من الد.عم الس.ريع الذي يقاتلهم في الميدان. حيث كانوا وما زالوا يدعون لاستمرار الح.رب ويرفضون كل مبادرات السلام بدءاً من جدة والمنامة وسويسرا والرباعية، باعتبار أن الح.رب أصبحت بالنسبة لهم قضية وجود من أجل استمرار تحكمهم في الدولة بأجهزتها المختلفة، لاسيما وأن هناك توجهاً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لإبعادهم من المشهد السياسي. لقد أوردت هذه الحيثيات لأؤكد بأن هذه الح.رب دافعها دنيوي لا علاقة له بالدين لا من قريب أو بعيد، فالدين بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
ولكن ما يدعو للدهشة والاستغراب هو استخدام الدين لاستمرار الح.رب كأنهم لا يرون معاناة الشعب السوداني، ونبي الرحمة يقول: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه). فالرسالة المحمدية جاءت لهداية البشر من الضلال إلى الهدى ومن الباطل إلى الحق ومن الشر إلى الخير، فالإنسان مُستخلَف لإعمار الأرض لا خرابها، فالقت.ال بين المسلمين محرم كما يقول المصطفى عليه الصلاة والرحمة: (كل المسلم على المسلم ح.رام، دمه وماله وعرضه). وإن وقع القت.ال فالأصل فيه الصلح كما ورد في الآية الكريمة: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. ولذلك الحذر كل الحذر من رفض السلام والإصرار على استمرار الح.رب مراعاة لحرمة دماء المسلمين. فلنأخذ العبرة من قصة سيدنا أسامة بن زيد التي وردت في صحيح البخاري (بعثنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، فهرب رجل، قال فلما غشيناه قال لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى ق.تلته، قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي يا أسامة أقت.لته بعد أن قال لا إله إلا الله، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم). فقلت يا رسول الله قالها متعوذا، قال: (أفلا شققت قلبه حتى تعلم أكان متعوذاً أم لا؟). فما بالنا اليوم نعيش ح.رباً الق.اتل فيها يقول: الله أكبر والمق.تول يقول: الله أكبر، والكل يقرأ قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}. ولذلك من ق.تل نفساً فكأنما ق.تل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ونرى الكثيرين اليوم يستغلون وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه المعلومات وتضليل الرأي العام للتلاعب بعقول الناس، كما يقول هربت شيللر: (أعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطك شعباً بلا وعي). فعليهم أن يتقوا الله في شعبهم ووطنهم. عليه نقول هذه ح.رب عبثية لا سند لها دينياً أو أخلاقياً أو إنسانياً، ومن يساهم فيها قولاً أو فعلاً يتحمل وزرها أمام الله والشعب: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.
ختاماً:
من حيث المبدأ، إن الانتهاكات من قبل أطراف الح.رب مرفوضة ومدانة وتستوجب المساءلة القانونية لإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة، ولا تنتطح عنزتان في أن إيقاف الح.رب يشكل أولوية لأهل السودان. ولكن الأهم من ذلك، في ظل المبادرات الدولية ومحاولات تصميم العملية السياسية، هو إنهاء الح.رب واستدامة السلام من خلال مخاطبة الأسباب الجذرية للنزاع عبر معايير متوافق عليها تحقق العدل والمساواة في ظل وطن يسع الجميع، وهو ما يضمن عدم ترحيل الأزمة للأجيال القادمة. إن الذين يموتون، سواء كانوا من المدنيين أو الج.يش أو الد.عم الس.ريع أو المشتركة، هم أبناء وبنات السودان، وفقدهم يشكل خسارة كبيرة لحاضر ومستقبل البلاد. بالطبع لا نستطيع أن نُحيي المو.تى، ولكن بإمكاننا المحافظة على الأحياء بوقف هذا القت.ال الذي قضى على الأخضر واليابس. فدعاة الح.رب لا يحق لهم العويل والصراخ عندما تحدث الانتهاكات، لأنها نتيجة طبيعية لاستمرار الح.رب. ولذلك لا سبيل لوقف الانتهاكات والمعاناة والدمار والخراب إلا بوقف الح.رب. فمن يبحث عن مدينة فاضلة في ظل الح.رب كمن يبحث عن الجنة في النار.
#السودان #وقف_القت.ال #التناقض_والصراع #النزاع_في_السودان #الاسلاميون_والصراع #حل_جذري #عبدالجليل_الباشا

Leave a Reply