“كل كـ.ـارثة عربية تنسيك الأخرى والحبل على الجرار أو كما يقال على الغارب “

صحيفة الهدف

كتب عثمان الحاج عمر

#الهدف_آراء_حرة

أبدأ بهذه الكلمة المفتاح، “كل كـ.ـارثة عربية تنسيك الأخرى والحبل على الجرار أو كما يقال على الغارب ” لأنها صورة تختزل حالنا العربي: انتباهٍ متقطّع، صدمةٍ متوالية، وذاكرةٍ مشوّهة لا تسمح بالتعلم أو بالمواجهة الجادة.

هذه المقالة هي محاولةٌ مني لقراءةٍ مركّبةٍ للظاهرة: لماذا يغفو العرب ويصحون على كـ.ـارثةٍ ثم يغفلون عنها أمام كـ.ـارثةٍ أخرى؟ وما الذي يغيب عن أفقنا الجمعي من سياساتٍ واستراتيجياتٍ تجعل هذا النهوض ممكنًا؟

مشهد متسلسل من الكوارث

قراءة في السبب والنتيجة

العـ.ـدوان على العراق بدأ بملجأ العـ.ـامرية وانتهى بمجـ.ـزرة طريق المـ.ـوت، وتواصل بالحصار 13 سنة منع فيها على العراق حليب الأطفال وأقلام الرصاص، وعاش أبناء الأمة على أمل انجلاء الأزمة وتعافي العراق، فجاء الغزو ثم الاحتلال وتدمير التجربة العراقية الرائدة في تأميم الثروات ونشر التعليم وتشجيع البحث العلمي والتصنيع، في ظل سيادة وطنية وقرار مستقل، فقـ.ـتلوا القيادة والجيش والكفاءات وأذلوا الشعب في أبو غريب والفلوجة والموصل. نسينا العـ.ـدوان الثلاثيني والحصار، أمام هول الصدمة والترويع وما رافق الغـ.ـزو من وحشية.

تفـ.ـجر الوضع في ليبيا وَأَلْقَى الإخوة الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَوا بِرَؤوسِ بعضهم يَجُرُّوها إِلَيْهِم، دمـ.ـرت ليبيا ونهـ.ـبت ثرواتها وتفـ.ـكك جيشها ومنجزاتها، وانقسمت ليبيا وتفـ.ـككت وحدة شعبها. نسينا العراق وما حل به واشرأبت الأعناق لمتابعة الوضع في ليبيا، حتى تصاعدت أزمة سوريا وميليـ.ـشيات إيران تغرز أظافرها في اللحم الحي، دمرت سورية وهجر شعبها وتفـ.ـكك جيشها ودمـ.ـرت كل منجزاتها، ٱلام عشناها بقلوب دامية، ثم انطلق “الباربكيو”، في غـ.ـزة وشواء لحم الأطفال. الطباخ أمريكي والنادل صهـ.ـيوني وبعض عرب التبعية ينظفون أمام المحل، توقف إطلاق النـ.ـار رغم الخروقات والاشتراطات. فرفع الستار على مشهد أكثر دمـ.ـوية في غرب السودان بل في عموم السودان؛ فصارت مشاهد القـ.ـتل والتسلي بالقـ.ـتل في غـ.ـزة أهون مما يقع في الفاشر !!! وإذا بالتفاصيل أكثر ألما وأكثر إحباطا؛ خسائر إجمالية تفوق 108 مليار دولار (108 م. د) منها 30 م.د في الصناعة (تدمير 3500منشأة…)، 10 م.د، في الزراعة 3 م.د طيران مدني 10 م.د كهرباء ومياه، 10م.د طرقات وجسور، 38 م.د أملاك خاصة ( نهب 15 ألف منزل )، 11م.د قطاع الصحة ( 250 مستشفى خارج الخدمة )، 12مليون مواطن سودني نزحوا داخل السودان وخارجه (8،5 داخل السودان وأكثر من 3،5 على الحدود وخارج السودان)، 50 ألف مفقود، 1500 حالة اغتصاب موثقة ثلثهم من الأطفال، من الجنسين. عدد الضحايا يتراوح بين 60 ألف و160 ألف، دون أن ننسى جـ.ـرح اليمن النازف. ودون أن ننسى أن العراق ذهب ولن يعود قريبًا، وكذلك ليبيا واليمن وسورية. والحبل على الجرار.

تدخلاتٌ خارجية أو نزاعاتٌ داخلية تستثمر الفراغ، وتستهدف هياكل الدولة والمجتمع المدني والكيانات الوطنية. كل كـ.ـارثةٍ تخلفُ آثارًا مركّبة: تدمـ.ـيرًا ماديًا، تمـ.ـزيقًا اجتماعيًا، تشـ.ـتيتًا للنخب، وتحوّلًا في توازنات القوة داخل المجتمع الإقليمي.

المفارقة الأشدّ ألمًا ليست فقط في تتابع الكوارث، بل في ردود الفعل: غالبًا ما تكون ردهاتٍ انفعالية (تعاطف، غضب، تباكٍ إعلامي) من دون خطةٍ جماعيةٍ أو مؤسساتيةٍ للمواجهة والسدّ والاستيعاب. النتيجة؛ دورةُ أزمةٍ تعيد إنتاج الضعف السياسي والاقتصادي وتتيح لمساحات النفوذ الخارجي أن تتمدد. تلتهم الجسد العربي ويحاول تفـ.ـكيكه وقـ.ـتل الروح العروبية فيه. أليس في هذه الأمة رجل رشيد؟ أين الجزائر وأين مصر وأين العربية السعودية بل أين تونس وحكمتها ودورها التاريخي الفاعل في الاستشراف وصياغة الحلول؟ أم ننتظر ترامب ونتنـ.ـياهو ؟

عواملُ الغفلة: لماذا لا نستفيق جماعياً؟

1. التجزئة السياسية والدولية: انقسام الأقطار، خلاف النُّخب، واختلال الأولويات يجعل من أي استجابةٍ مشتركة أمراً عسيراً. غياب قيادةٍ إقليمية تمتلك استراتيجية ومصداقية تاريخية يجعل الفراغ يستدعي من يملأه — وغالبًا ما يكون الفاعل الخارجي أو القوى الإقليمية الطامحة.

2. الأنظمة السلطوية والاعتماد على الاستقرار الممنوح: كثير من الأنظمة تفضّل حفظ الحكم على حساب الإصلاح والتجديد، فتقـ.ـمع الفضاء المدني وتفشل في بناء تنميةٍ مستدامة. هذا يترك الشعوب ضعيفةً أمام صدماتٍ خارجية وداخلية.

3. اعتماد اقتصادي هشّ: اقتصاديات تستند إلى مداخيل أحادية (نفط، تحويلات، دعم خارجي) أقل قدرةً على امتصاص الصدمات أو تمويل إعادة الإعمار والتعافي.

4. تمـ.ـزيق النسيج الاجتماعي: الانقسامات الطائفية والجهوية والإثنية، إضافةً إلى افتقاد ثقافة مدنية جامعة، تحوّل أي حدثٍ إلى ساحة صراع داخلي بدل أن يكون مناسبةً للوحدة والتضامن.

5. أثمان التدخلات الخارجية واللعب بالوكالة: دعم ميليـ.ـشيات، زعزعة أمنية، وسباق تأثيرات إقليمية ينعكس تدميرًا للبنى الأمنية والمؤسساتية، ويطيل دائرة العنف.

6. ضعف المؤسسات الإقليمية: جامعة الدول العربية والمنظمات الإقليمية أفلست أو أقله فقدت الثقة، فلا قيادَةَ فعّالةً قادرةً على التنسيق أو فرض إجراءات جماعية.

ماذا يجب أن يحدث كي “يستفيق العرب”؟

الاستيقاظ الحقيقي ليس مجرد شعورٍ بالأسى أو موجة تضامن، بل بناءُ استراتيجيةٍ ثلاثية الأبعاد: سياسية، اقتصادية، ومجتمعية:

1. إعادة بناء المؤسسات الإقليمية: تحويل الجامعة أو أي إطار إقليمي إلى آليةٍ فعّالةٍ للوساطة، لمنع التصعيد، ولتنسيق استجابةٍ طارئة للأزمات (إغاثة، لاجئين، إعادة إعمار). لا يمكن ترك الأمور رهينة مصالح فردية أو ضغوط خارجية.

2. الاستقلال الإستراتيجي والتعاون الأمني المشترك: خلق آليات تعاونٍ أمني بين دولٍ قادرةٍ على حماية الحدود، مكافحة التهريب والمخدرات ووقف دعم الميليـ.ـشيات عبر خططٍ مشتركة ومحايدة إقليميًا.

3. إصلاحات سياسية ديمقراطية: فتح الفضاءات السياسية والمجتمعية يمنح الشرعية للأنظمة ويستعيد ثقة الشعوب. الأنظمة التي تتبنّى الإصلاحات تمنح شعوبها أدوات الوقاية من التفتـ.ـيت والفراغ.

4. تنويع اقتصادي واستثمار بشري: برامج إقليمية للتنمية تُعطي الأولوية للتعليم والبحث والصناعة والزراعة والقطاع الصحي، وتُخفّف الاعتماد على موردٍ واحد، وتبني احتياطاتٍ أمام الكـ.ـوارث.

5. قوة مدنية متماسكة: دعم منظمات المجتمع المدني، الإعلام الحرِّ والمسؤول، ونقاشٍ فكري عامّ قادرٍ على تفسير الأحداث ووضع سياساتٍ بديلة. ثقافة الاشتراك في المصير تُصنع لا تُفرض.

6. دبلوماسية ذكية ومتوازنة: إن أردنا ألا ننتظر قراراتَ خارجية، فلابد من دبلوماسيةٍ نشطة تحمي المصالح الوطنية وتُحاور الجيران وتُحجم النفوذ الخارجي في شؤوننا الداخلية.

7. خطة طوارئ إقليمية: صندوق إقليمي للكـ.ـارثة، مخططات لإيواء النازحين، شبكات صحية متنقلة، وبرامج لإعادة تأهيل البنية التحتية تُبنى مسبقًا لا بعد وقوع الكـ.ـارثة.

عن الأمل والواقعية

السؤالُ المتكرر: أليس في هذه الأمة رجل رشيد؟ الإجابةُ ليست في شخصيةٍ واحدة، بل في سلسلة من  التحولات المؤسسية والمجتمعية. لا ننتظر معجزةً من بلدٍ واحد أو زعيمٍ أجنبي؛ الاستيقاظُ يكون عمليةً متراكمة تبدأ بإصلاح داخلي وتستكمل بتعاون قومي. الجزائر ومصر والسعودية وتونس وغيرها لديها إمكاناتٍ لكنها تحتاجُ إرادةً لتوحيدها في مشاريعٍ عملية لا شعاراتٍ فقط.

خاتمة: لحظة الحساب

إذا أردنا أن ننهي دورة “من كـ.ـارثة إلى كـ.ـارثة”، فلا بد من أن نخرج من منطق الطوارئ المستمر إلى منطق الاستدامة؛ سياسات تمنع التفـ.ـكك، مؤسسات تردع التدخلات، مجتمع يتعافى بسرعةٍ بعد الصدمة. الاستيقاظ ليس لحظةَ وعي؛ إنما هو عملية عمل جماعي طويل الأمد. طالما أننا نعالج الأعراض دون الجذور، سيستمر الحبل على الجرار.

متى نستفيق؟ نبدأ الآن بما نقدر عليه: بإصلاحٍ محليٍ شجاع، بتحالفٍ ذكيٍ يحمي المجتمعات، وبثقافةٍ تستثمر الوجع درسًا لا مادةً للتنافس الإعلامي. لن يتأتّى الاستيقاظ إلا إذا أخلصنا النية للعمل، وتركنا انتظارات من الخارج، واعتبرنا أن المصير مشترك وأن النهوض واجب جماعي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.