علي الترياق
كاتب وسياسي يمني
في غينيس للأرقام القياسية، لكل إنجاز ثمنه وقواعده: من يطمح أن يُدخِل رقمه في الموسوعة يتسلّل أولًا إلى موقعها، يدفع رسوماً، ويقدِّم طلباً، ثم ينتظر قرار القبول أو الرفض. وفي حالة القبول عليه أن يتحمّل تكاليف التقييم والإجراءات، بل وحتى ثمن الشهادة التذكارية التي تُسدَّد لقاء الاعتراف الرسمي. نظامٌ واضح، مقابل خدمةٍ محدّدة ومعيارية.
وحين أفكّر في حياتنا أشعر بأنّما نحنُ كذلك: ندفع ثم ندفع، وننتظر ثم ننتظر. الدولة هنا تكاد تشبه شخصاً ثالثاً لا دور له إلا أن يجمع الثمن ويضع الختم. ندفع للدوائر والضرائب، نُنفِق على معاملاتنا كأننا نشتري تذاكر مرور في شارعٍ بلا إشارات، ثم نُوجَه من مكتب إلى آخر في طقوسٍ تشبه حجّاً إدارياً: طوابير، تكدّس، تحايل على الصفوف، ومسات أخيرة من الرِشاوى الصغيرة أو التوسّلات المكتوبة. وفي النهاية، وبعد عراكٍ مرير وخسارةٍ مالية ومعنوية، نحصل على وثيقةٍ تثبت أننا ننتمي إلى هذه الدولة.
ولنكُن صريحين: ما الفائدة إن دفعتُ كل شيء وأعوِّلُ على نفسي في توفير كل شيء، ثم تصنع لي الدولة هويةً أُسلّّمها كجائزةٍ وهمية؟ أليس من السخرية أن أشارك في تمويل مكاتبها وأثاثها ثم أطلب منها، بعد كل ذلك، أن تعرّف بي؟ سؤالٌ مُرّ يختلط فيه الضحك بالدمع.
قارنوا ذلك بلمحةٍ من عالمٍ آخر: في اليابان، للمطار آلات تمنحك جوازَ سفرٍ أو بطاقةَ هوية في دقائق. آلةٌ تلتقط صورتك، تقرأ بياناتك، وتخرج وثيقةً جاهزة، بساطةٌ وتقنيةٌ تخدِم المواطن، لا تُرهِقه. الفرق ليس في المال وحده؛ بل في طريقة التفكير: هل نركّز على تسهيلِ حياة الناس أم على تجميعِ النقود وإدارةِ البيروقراطية كغرضٍ قائمٍ بذاته؟
واللصوص هنا، إن جاز التعبير، لا يأتون بالوجه المرتبك والملابس الممزقة. يأتون ببدلاتٍ فاخرة، بعطورٍ قوية، في موكبٍ من السيارات المصفّحة، كأنّهم قوافلُ قداسةٍ تسرقُ الهواء من حولها. هذا السطوُّ يَرتدي ملامحَ النظامِ نفسه: شرعيةٌ مزيفة تلبسُ ثوبَ المحترم وتبتسم للكاميرا.
أكتب هذا لا كمُتَشائمٍ باذلٍ لليأس، بل كمراقبٍ يستدعي العقل: إن كانت هويتنا مرهونةً بدفعاتنا، فأي دولةٍ هذه التي ندفع لها لنحصل على حقّ الانتماء؟ إن اقتضت الحياة أن تُسجَّل أرقاماً في موسوعاتٍ رسمية، فليكن التسجيل مجانياً، أو على الأقلّ في خدمةٍ تليق بالبشر. لأنّ المواطن ليس رقماً يُشترى ويُباع، بل إنسانٌ يستحقُّ أن تُسهّل له مؤسساتُ وطنه حياته، لا أن تُقيّدها بدوراتٍ بلا نهاية من الانتظار والدفع.
#ملف_الهدف_الثقافي #علي_الترياق #البيروقراطية #المواطنة_والهوية #اليمن #مقالات_سياسية #نقد_اجتماعي #موسوعة_الانتظار #إصلاح_إداري

Leave a Reply