كمال باشري
هايكي.. بساطتها أول ما يلامس العين، وجمالها الهادئ الذي لا يحتاج إلى زخرف. خمس سنوات عملنا فيها معاً، كانت الأرقام والملفات مجرد خلفية باهتة لحياتنا المشتركة. حملت روحاً سمحة، متدفقة، لا تعرف حدوداً. كانت حواراتنا تمتد بلا نهاية، ومواضيعنا تتنقّل من تعقيدات الاقتصاد والسياسة إلى نكتة عابرة على الغداء. لم تكن هناك فكرة “خاطئة” أو “غبية”، بل مجرد أشياء تستحق النقاش.
الذكريات التي نُقشت على الوجدان لم تكن داخل أروقة المكتب، بل تلك التي حملت عبق الشارع وحرية الانطلاق. كان الموتوربايك بساط الريح الخاص بنا؛ أقوده وهي خلفي، تتكئ بهدوء وثقة. كانت رحلاتنا بلا وجهة محددة، فقط لنشعر بالهواء يصفع وجوهنا، يطرد هموم الأسبوع. كان شعرها الأشقر يتطاير خلفي كعلم أبيض يرمز إلى السلام والألفة. كنا نتبادل الهمسات عن الحياة التي نعيشها والحياة التي نحلم بها. إحساس كتفها على ظهري كان أقصى درجات الطمأنينة.
حين تلبس المدينة أضواءها البراقة، نرتدي أفضل ما لدينا وننطلق إلى المراقص. وسط زحام الأجساد وإيقاع الموسيقى الصاخب، كانت هايكي تضحك بعمق، وعيناها تلمعان ببهجة خالصة. ترقص ببساطة وعفوية حتى وسط هذا الجمع من السهارى. كانت لحظاتٍ تشعرك بالترابط المطلق، حيث يتمّ التواصل بحركات الرأس المتبادلة أو النظرات السريعة، لحظات بلا كلام، تحمل قدراً كبيراً من التفاهم.
خمس سنوات انقضت كحلم عابر؛ خمس سنوات من عملٍ ومغامرةٍ وحواراتٍ عميقةٍ واحتفالاتٍ صاخبةٍ ورحلاتٍ على شاطئ النيل، توقفت بانتهاء مدة انتدابها وعودتها إلى بلادها. لم يكن الوداع درامياً، بل هادئاً، يشبه الصمت الذي يعقب عاصفة قوية. كانت حقائبها جاهزة، وعيناها تحملان ذلك الحزن الهادئ.
رحلت هايكي، وغاب معها صوت الريح وضوضاء الشارع وضجيج المراقص. عادت إلى بلادها، وخلفت في قلبي مساحة شاغرة تتّسع لذاكرةٍ لا تُمحى، ولروحٍ سمحةٍ لا تزال تلهمني، ولشوقٍ مزمنٍ لصوتها ونحن نقف عند ملتقى النيلين، تقول لي: “قيل إن الحياة قد بدأت هنا.” فأجيبها: “وستَنتهي هنا.” فتأخذ الأمواج صدى ضحكتها وتخفيه بين طياتها..
#ملف_الهدف_الثقافي #كمال_باشري #قصة_قصيرة #هايكي #أدب_عربي #الخرطوم_والنيل #شوق_وغربة #ذكريات_العمل #صداقة

Leave a Reply