عندما بكى خالد.. اكتشفت حبه

صحيفة الهدف

نهى محمد الأمين

كان زواجي من خالد زواجاً تقليدياً تم بالترشيح؛ رشحتني له زوجة أحد الأقارب. كنت في أواخر العشرينات، تخرجت من الجامعة منذ عدة سنوات وأعمل في وظيفة ممتازة بإحدى شركات الاتصالات. أما خالد، فكان في بداية الأربعينات، وقد عاد حديثاً من إحدى دول الخليج ليستثمر مدخراته في إنشاء عمله الخاص.

التقينا في منزل قريبي لنتعارف. عندما رأيته للوهلة الأولى لاحظت أنه يبدو أصغر من عمره، مربوع القامة، مقبول الشكل، يعطيك انطباعاً بالجدية وبعض الصرامة. هاتفتني زوجة قريبي ما إن وصلت إلى المنزل وأخبرتني أنني أعجبت خالد للغاية، وأنه مستعجل لاستكمال الزواج بسرعة في حال موافقتي. أخبرتها أن تعطيني فرصة لأفكر وأدرس الأمر ليومين فقط.

حدقت في وجهي في المرآة. كنت أعرف جيداً أنني متوسطة الجمال، تميزني بشرة صافية خالية من العيوب، وقامة معتدلة مائلة إلى الطول. طالما حدثتني صديقاتي أن ابتسامتي رائعة. مرّ شريط حياتي أمامي. كنت دائماً أضع الحب شرطاً للزواج. فبشخصيتي الحساسة ورومانسيتي المفرطة، استبعدت أن أعيش تحت سقف واحد مع رجل لا تربطني به عاطفة. كان نصيبي من الحب تلك المشاعر التي حملتها لزميل دراستي “أحمد” الذي كان يسبقني بعامين في الجامعة. لكنه، للأسف، لم يكن رجلاً بما يكفي ليتحمل مسؤولية مشاعره. فما إن تخرج حتى علمت بزواجه من إحدى قريباته الثريات، ليتبوأ منصب المدير في الشركة التي يملكها والدها.

كانت تجربة مريرة خرجت منها بقلبٍ مكسور، فقد كان أحمد حبي الأول وربما الأخير. وبرغم الجرح الغائر، لم أفقد إيماني بالحب ولا إصراري على أن يكون شرطاً للزواج. لا أنكر أنني تلقيت عروضاً للزواج، ورفضتها جميعها دون أدنى إحساس بالندم أو أنها فرص ضيّعتها. أمضيت الليل أفكر. من ناحية منطقية، خالد فرصة زواج جيدة: جاهز مادياً لتحمل أعباء الزواج، يملك منزلاً وسيارة، مقبول الشكل، وعمره مناسب إلى حدٍ ما. أنا أقترب من الثلاثين، عادية في شكلي وفي كل تفاصيل حياتي، وربما تكون هذه فرصتي الأخيرة قبل أن يغادر قطار الزواج محطتي إلى غير رجعة. في الصباح، هاتفت زوجة قريبي وأعلمتها بموافقتي على الزواج من خالد.

قضينا فترة خطوبة قصيرة للغاية، بالكاد تكفي لتأثيث المنزل واستكمال احتياجاتي كعروس. لاحظت أن خالد كان جاداً للغاية، لا يكلمني إلا نادراً، وغالباً ليخبرني بأمرٍ يخص تجهيزات الزواج. كانت فترة خطوبة بعيدة تماماً عما حلمت به من عبارات الغرام وكلمات الغزل. لكن من الناحية المادية، أظهر خالد كرماً دافقاً، لم يبخل بشيء، وأعزّني كعروس بكل ما يستطيع. مرت الخطوبة سريعاً، وصرت زوجة لخالد.

وبرغم طبيعته الجادة، لم يسئ معاملتي يوماً. عاملني بالحسنى، ولم يبخل عليّ بماله. كانت حياتنا هادئة ورتيبة إلى حدٍ أزعجني. تذكرت حلمي بالزواج عن حب، وسيطرت عليّ فكرة أنني تسرعت، وأنني أضعت أحلامي بالزواج من رجلٍ يحبني ويغمرني بعاطفته واهتمامه. فقدت طعم الحياة، وتملكني إحساسٌ بالحزن والأسى. كنت أقول لنفسي إن خالد لا يحبني ولن يحبني، وإنه تزوجني فقط لأنه أراد زوجة فكنت خياراً مقبولاً. فكرت جدياً في الطلاق، وأقنعت نفسي بأن البقاء بلا زوج خيرٌ من البقاء مع رجلٍ جامد المشاعر. سألني خالد أكثر من مرة عمّا بي، لكنني أرجأت إخباره بقراري حتى أحسم أمري.

في ذلك اليوم، وبينما كنت أعود من عملي والأفكار تزدحم في رأسي، فقدت السيطرة على مقود السيارة. آخر ما أذكره هو صوت الاصطدام بسيارةٍ كبيرة.. ثم لا شيء.

عندما أفقت، وجدت نفسي على سريرٍ في مستشفى. نظرت أمامي فرأيت خالد جالساً على الأرض، وجهه غارق بالدموع. ناديته باسمه بصوتٍ واهن، فانتفض واقفاً بسرعة. وحين نظر إليّ، رأيت في وجهه كل ما حلمت به من حبٍ واهتمامٍ ولهفةٍ وخوفٍ عليّ. قال بصوتٍ متهدج: “الحمد لله على سلامتك.. ما كان بإمكاني أفقدك بعد ما لقيتك.” في تلك اللحظة عرفت أنني لم أفهم معنى الحب إلا الآن، وأن كل ما ظننته وتخيلته من قبل لم يكن إلا أوهاماً. وأيقنت أن حياتي بدأت من جديد.

#ملف_الهدف_الثقافي #نهى_محمد_الأمين #قصص_عاطفية #الزواج_التقليدي #الحب_الحقيقي #العلاقات_الزوجية #القصة_القصيرة #الاعتراف_بالحب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.