زاوية مضيئة: الخلاف والفجور.. أين ذهبت أخوّة المبدأ؟

صحيفة الهدف

د. امتثال بشير

قال الإمام الشافعي رحمه الله: “أُحِبُّ الصَّالِحينَ ولَستُ مِنهُمُ لعلّي أن أنالَ بهم شفاعَةْ، وأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصِي وإن كُنّا سَواءً في البِضاعَةْ”.

الخلاف ليس عيبًا، فالعقول تتفاوت، والرؤى تتباين، لكن العيب أن يتحوّل الخلاف إلى فجور، وأن تذوب الأخلاق في نار الخصومة. حينما نهاجم باسم المبدأ، وأن يُسقِط صاحب العقيدة على شريكه في الإيمان ما لا يُسقِطه على خصمه، فذلك انحرافٌ عن جوهر الدين، ومفارقةٌ لرسالة السماء التي جاءت لتجمع لا لتفرّق.

في زمنٍ صارت فيه الكلمة سهماً، والرأي خندقاً، والاختلاف وقوداً للفرقة، هنا فقط نحتاج أن نُعيد تعريف “الخلاف” بأنه تنوّع لا تناحر، وأن نذكّر أنفسنا أن العقيدة التي جمعتنا، لا ترتضى أن نُفرّقها بألسنتنا؛ ونذكّرها أن الودّ لا يسقط بالاختلاف، ووحدة العقيدة والمبادئ لا تُقاس إلا بمقدار صفاء القلب وحسن المقصد.

“الفجور في الخصومة” ليس توصيفاً أدبياً فحسب، بل تحذيرٌ نبويّ صريح. قال رسول الله (ص): (أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصِم).. (وإذا خاصم فجر).. الفجور هنا ليس مجرد حدةٍ في النقاش، بل هو تجاوزٌ للحق، وتزييفٌ للحقيقة، وإصرارٌ على إسقاط الآخر مهما كانت الوسيلة. وهنا تكمن الخطورة؛ أن يتحوّل الخلاف إلى معركة، والحوار إلى خصومة، والمبدأ إلى مطيّةٍ للغضب والانتقام. كم من علاقةٍ نقضها سوء الظن، وكم من فكرةٍ ساميةٍ قُت.لت بألسنة من ادّعوا حملها.

نختلف، نعم؛ لكن تحت مظلة الأدب وبميزان الرحمة. قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة: 8. ليس من القوة أن تنتصر على الآخر بالكلمة الجارحة، بل القوة أن تكبح نفسك عن ظلم من يخالفك، وأن تحفظ للقلوب حرمتها، وللمبدأ سموّه.

خاتمة الكلام: حين نختلف بقلوبٍ سليمة؛ علينا أن نعي؛ إنّ التوادّ والتراحم بين المؤمنين ليس ترفاً خُلقياً، بل فريضة إيمانية. قال (ص): (مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى). فليكن بيننا من الرحمة ما يُطفئ نار الخصومة، ومن العدل ما يردّ الغلوّ إلى جادته، ومن الحبّ ما يُذكّرنا أننا، مهما اختلفنا، نعبد ربًا واحدًا ونتوجه إلى قبلةٍ واحدة، وكذا عند أصحاب العقيدة والمبادئ المشتركة؛ فالخلاف لا يُفسد للودّ قضية؛ إلا إذا سمحنا للقلوب أن تفسد.

#ملف_الهدف_الثقافي #امتثال_بشير #أخلاق_الخلاف #الفجور_في_الخصومة #أخوة_المبدأ #التسامح #مقالات_فكرية #الوحدة_الإيمانية #أدب_الحوار

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.