بقلم د. حارث سليمان
على مدى سنة واكثر ما بين 8 اكتوبر 2023 و 27 اكتوبر 2024 تعرض شيعة لبنان في أبنائهم ورجالهم ونسائهم وأطفالهم للموت والقصف والتهجير، وتعرضت مدنهم وقراهم وبيوتهم للدمار والخراب، وتم تفكيك وبعثرة نسيجهم الاجتماعي والديموغرافي، وتبددت مواردهم ومصالحهم الاقتصادية ،ومواسمهم الزراعية ومحترفاتهم المهنية، ومراكز خدماتهم الصحية والتربوية.
حدث هذا الخراب الذي بلغ درجة لم يسبق له ان بلغها سابقا في تاريخ الصراع مع العدو، طبعا اولاً نتيجة عدوانية الكيان الصهيوني ووحشيته، وطبيعته العنصرية الاستيطانية، وسجله الحافل بجرائم الحرب وانتهاك القانون الدولي ومعاهدات جنيف أثناء الحروب، لكن هذه الدرجة من الاستباحة حصلت، ثانياً، نتيجة سبب اساسي مفصلي وإضافي، تمثل بأنه كان قد جرى إعادة تعريف غالبية كبرى من المواطنين الشيعة، وتغيير ماهية اجتماعهم السياسي، خلال عقود من الزمن، من مواطنين لبنانيين وجماعة اهلية لبنانية متعددة الخيارات السياسية والسلوكيات الاجتماعية ومتنوعة أنماط العيش والاستهلاك والذائقات الثقافية والفنية، الى ” أمة حزب الله” التي جرى عسكرتها وتعبئتها عقائديا، وتنميط سلوكياتها وتوحيد ادائها، وتوظيف الآلاف من ابنائها والامساك بمصادر عيشهم والتحكم بابواب رزقهم، لتصور الجماعة على انها “قلعة إسبرطية مقاتلة”، يمنع عليها أن تهاب الموت، بل محكوم عليها بان تُقبِلَ عليه سعيدة متعجلة، القلعة إسمها ” بيئة حزب الله”، القلعة هذه لا تساوم، لا تهزم، حتى لو أبيدت كل قياداتها، وتفككت منظومة كوادرها، وشلت حركة مقاتليها، ولا ينبغي لها ان تتراجع، بل تنتصر مع الموت والشهداء وآلاف الجرحى، وتعيد بناء نفسها، بعد كل انتصار لم يحصل، لتذهب مرة ثانية الى انتصار آخر متوهم و موعود.
من جماعة مواطنية لبنانية، الى قلعة عسكرية اسمها “بيئة حزب الله” فقد اللبنانيون الشيعة صفة المدنيين الأبرياء، او الضحايا المظلومين في مصائرهم، وتحولت فلذات أكبادهم من براءة الطفولة الى كشافة تصدح بهتاف “لبيك يامهدي”، وأصبحوا بمعزل عن إراداتهم وفي أغلب الأحيان خلافا لها ، أهدافًا عسكرية مستباحة من قبل العدو، بل غدا كل شيعي، حتى ولو كان معارضا لحزب الله، أو بعيدا عن اي انتماء سياسي، مستقلا بخياراته، هدفا عسكريا يلاحق من قبل اسرائيل حتى يثبت عكس ذلك، وهو ما حدث مع المهندس طارق مزرعاني.
ولم يشكل حرص حزب الله على التحصن بالطائفة الشيعية، والتمترس خلفها! ومغالاته بتصوير إجماع مزعوم حول خياراته، من قبل أبناء الطائفة، الا بابا أباح حزب الله من خلاله، لإسرائيل أن تجعل من حرب إسناد غزة، فرصة لإحداث كارثة شاملة في الحجر والبشر والاقتصاد والأعمال ولنشر دمار عميم ومستمر في كل مناحي الحياة في المناطق الشيعية.
مضت الحرب الكبرى، لكن الأمر بقي على حاله، فعلى مدى سنة منذ موافقة الرئيس بري على اتفاق الإذعان مع العدو، انتظر اهالي الجنوب والضاحية والبقاع ان تكون هذه الحقبة فترةً للملمة الجراح وإعادة الإعمار والعودة الى القرى التي نالت نصيبها من الخراب والدمار!
حسبنا هذا الأمر بديهيٌ منتظرٌ وملحٌ، فما الذي حصل والى ماذا وصلنا!؟
مازال حزب الله مستمرا بسردية “قلعة اسبرطة”، ومازال مصرا على منع الدولة من بسط سلطتها واسترداد حقها بحصرية السلاح بيدها، وهو يخبرنا أنه استعاد قوته ورمَّمَ جاهزيتَه العسكرية التي دمرها العدو، في ظل غياب جسر الإمداد الاسدي، متناسيا ان امينه العام السابق اخبرنا، انه ذهب يقاتل في سورية للحفاظ على جسر الامداد الذي من دونه ستنهار مقاومته..
الأخطر من كل ذلك أنه مازال يعتبر أن الحزب هو الطائفة الشيعية وأن الطائفة هي الحزب، حدود الطائفة والجماعة الأهلية هي حدود الحزب ذاتها، مصالحها هي مصالح الحزب، وعلاقاتها بأي طرف من خارجها هي علاقات الحزب ذاتها، المؤسف هنا أن أوجاعها وآلامها ليست اوجاعا وآلاما يهتم لها الحزب، وان خرابها ليس خرابا يعيد اصلاحه الحزب وان خسائرها ليست خسائر يعوضها الحزب، وان دموعها ليست دموعا يكفكفها الحزب!
هذا ليس اتهاما نسوقه في وجه حزب الله، بل إن الحزب ذاته يبرئ نفسه من هذه الالتزامات ويطالب الدولة والحكومة بإيفائها!؟
صحيح ان واجب الدولة أن تكون مع الجنوب واهله والضاحية واهلها والبقاع وأهله! الأمر مقبولٌ وشرعيٌ،! لكن هل اهل الجنوب والضاحية والبقاع مع الدولة، بغير هذه المعادلة التبادلية، لا يمكن اعتماد معالجة أو إيجاد حلول؛ الدولة مُلزَمَةٌ بواجبات تجاه مواطنيها و تجاه الجماعة المواطنية الشيعية، لكنها ليست ملزمة بخدمة القلعة الاسبرطية او الدويلة، ولا بإعادة ترميم بنيانها أو تجديد أسوارها، فالقلعة الدويلة هي نقيض الدولة، والشيعة افرادا وجماعات لا خيار لهم، لكي يتمتعوا بمواطنيتهم اللبنانية، حقوقا وواجبات، الا مغادرة القلعة الى رحاب الدولة بكل ابعادها؛ الدولة بسيادة قوانينها واحترام دستورها واكتمال وظائفها في الأمن والدفاع والسياسة الخارجية والحدود والرسوم والمعابر.
بدون رسم الخط الفاصل بين القلعة والدولة، وبدون ارتحال غالبية الشيعة من القلعة الى الدولة لن يكون تمويل لإعمار المناطق المدمرة، ولا عودة للقرى المهجرة، التي يجب ان تبنى بيوتها اعمارا لبنيان الدولة، وليس تجديدا لأسوار القلعة، فلم تنس المملكة العربية السعودية أنها ساهمت ب 933 مليون دولار لإعمار الجنوب اللبناني بعد حرب يوليو /تموز سنة 2006، لتنال بعدها، صياحا مع رفع قبضات الحشد الهائج ؛الموت لآل سعود، ولتقصف ارامكو بصواريخ الممانعة.
ولن يكرر رئيس حكومة حالي تجربة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة السابقة، الذي دفع على مسؤوليته 637 مليون $ لاصحاب الشقق المدمرة في الضاحية الجنوبية، فقام حزب الله بعد ذلك بانتزاع التعويضات من اصحابها، ليبني بأموال الدولة اللبنانية مشروع “وعد” في الضاحية وينسب الانجاز له ولايران. فيما منع بري لاحقا المجلس النيابي من تشريع و اقرار صرف المبلغ على سبيل التسوية.
وبدون تسليم سلاح حزب الله للجيش اللبناني، ستستمر “إسرائيل” في عملياتها العسكرية وفي اغتيالاتها الأسبوعية، وقد تتوسع شمالا في ظل دعم أميركي مفتوح.
وسيتذكر اللبنانيون والشيعة ،بشكل خاص، وهم يعيشون موسم الهجرة الى الشمال، جواب الرئيس بري لديبلوماسي دولة غربية حين عرض عليه، قبل الكارثة ومنعا لها، اتفاقا يتضمن انسحاب حزب الله الى شمالي نهر الليطاني فقال؛ “قد يكون نقل الليطاني الى الحدود الدولية اسهل من انسحاب الحزب إلى شماله”.
عفارم استاذ، رافةً بشيعة لبنان، اخلوا سبيل اهلنا، ليرتحلوا من قلعتكم، ويهنئوا بفيء دولتهم ويعودوا الى بيوتهم،وحلوا عن سماواتهم وأزمانهم.

Leave a Reply