في سعيٍ لإنقاذ ما تبقّى من ملامحنا الثقافية في السودان المهدَّدة بالاندثار، جاءت هذه المحاولة لجمع الأمثال الشعبية وتوثيقها وتحليل جذورها الاجتماعية والتاريخية، علّها تكون جسرًا يصل الماضي بالحاضر ويحفظ إرث الآباء والأجداد، ويمنح أبناء الغد نافذةً يطلّون منها على جذورهم قبل أن يطمرها الغياب والنسيان.
وقد جمعت جانبًا من هذا التراث في كتابي الموسوم “تثاقف العربية في إفريقيا المدارية: أمثال كردفانية”، محاولةً أن أقدّم من خلاله قراءةً تعيد للأمثال ألقها وتكشف عن عمقها الإنساني والاجتماعي.
لقد رأيت أن كردفان لم تأخذ حظها من التوثيق، وإن شاء الله في المستقبل سنتناول ما اندثر من عادات وتقاليد في ربوع وطننا الحبيب، في الشرق والوسط والغرب والشمال والجنوب الحبيب.
وعلى سبيل المثال، إليك هذا المثل الذي يحثّ على التربية والسلوك: (قرابة لعوت تتلاقى يوم الموت)..
القرابة هم ذوو الأرحام الذين يجمعك بهم الدم والنسب، والـ”لَعُوت” نوعٌ من الأشجار، لا تجتمع عيدانها إلا حين تُلقى في النار لتُحرق، فجاء المثل تشبيهًا بليغًا لحال أقوامٍ لا يلتقون إلا عند المصائب، كالموت.
وقد أوصانا رسولنا الكريم بوصلة الرحم فقال: (من أحب أن يُبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه). لكن كثيرًا من الناس في أيامنا هذه انشغلوا عن زيارة الأقارب وتفقد أحوالهم، متعللين بمشاغل الحياة، مرددين قولهم: “والله جري بس!” فلا يجتمعون إلا في المآتم حين يفقدون أحدهم، فيجتمعون كما تجتمع عيدان اللعوت عند الحريق.
يُضرب هذا المثل “قرابة لعوت تتلاقى يوم الموت” توبيخًا لمن قطع صلة رحمه وتنبيهًا له ليعود إلى التواصل والزيارة والبرّ.
جعلنا الله وإياكم من الواصلين لأرحامهم المبرّين بذويهم.

Leave a Reply