شهادة الضوء: عن صديقي (ياسر) الذي قاوم العتمة

صحيفة الهدف

1. مستهلّ الشهادة
أكتبُ لا عن الألم، بل عن الوهج الذي يتركهُ فينا من يواجهه.
أكتبُ لأنّ صديقي، الولد الجميل، علّمني أنّ الجسدَ قد يتداعى، لكنّ الروحَ، حين تشتعلُ بالإرادة، تُنقذ العالم من سقوطه الصغير.
كنتُ أراهُ محاصرًا بالعتمة، يبتسم.
يقول لي وهو يحدّق في سقف الألم: “كل تعبٍ له فجره.”
وكنتُ أصدّقه، لأنّ في عينيه كان الفجرُ يتهيّأُ للولادة.
2. غيابٌ لا يُشبه الغياب
منذ رحيله المؤقت إلى مسافة المرض، صارت المدينة ناقصة. المقاهي التي كنا نجلس فيها تذبلُ في الصمت، وفناجين القهوة تنتظر يده التي لم تمتدّ بعد.
حتى الذاكرة تمشي على عكّاز الحنين. أفتحها بحذرٍ، فتتهاوى منها صورٌ لم تكتمل: ضحكتُه، شالُه على كتفه، ظلّه فوق الرصيف، رائحةُ المطر حين كان يقول لي إنّ الغيابَ نوعٌ آخر من الحضور.
3. الجسدُ.. والمجالُ الرحب للروح
رأيتُه يقاتل.. لا بالسيوف، بل بالصبر.
جسدٌ مثقلٌ بالمصل، وروحٌ تتوضّأُ بالنور.
كان يفاوض الوجع كأنه صديقٌ قديم، يهمسُ له: “لن تأخذني اليوم.”
في لحظاتٍ كثيرةٍ، ظننتُ أنّ الألمَ انتصر، لكنه كان ينهض من رماده، يعيد ترتيب أنفاسه، ويعلّمنا أنّ الإيمانَ بالشفاء هو شكلٌ من أشكال المقاومة.
4. حين يمرض الغياب
أشتاقُه… اشتياقًا لا يليقُ بالمسافات، بل بالمعنى ذاته.. كأنّ قلبي فقدَ اللغة التي كان يتحدّث بها.
كل مساء، أشعل شمعةً باسمه، وأحدّث الفراغ كما لو أنّه يسمعني: عن ضحكته التي لم تُدفَن، عن الوعد الذي لم يكتمل، عن الفجر الذي ينتظرهُ الضوء على أطراف الليل.
5. خاتمة الشهادة
هذه شهادتي عن صديقي الذي قاومَ العتمة.
أشهدُ أنّ الجسدَ يمكن أن يضعف، لكنّ الروحَ، حين تؤمن بالحبّ، تخلقُ للوجعِ معنىً آخر: معنى العبور.
أشهدُ أنّ المرضَ لا يهزمُ من يختار أن يبتسم له، ولا الغيابُ يمحو من يتقنُ الحضورَ بالذاكرة.
وأشهدُ أنّ الشفاءَ ليس طبًّا فقط، إنهُ فعلُ إيمانٍ، حين يقول الإنسان للحياة، رغم كلّ وجعه: “ما زلتُ أريدك.”

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.