رحل عن عالمنا الكاتب السوداني المصري رؤوف مسعد، أحد الأصوات الأدبية الفذة التي جمعت بين الجرأة الفكرية والإنسانية العميقة، تاركًا إرثًا غنيًا من الروايات والمسرحيات والسيرة الذاتية التي واجه فيها السلطة الاجتماعية والسياسية، وسلّط الضوء على قضايا الحرية والهوية والعدالة الاجتماعية.
ولد مسعد في السودان عام 1937، في أسرة دينية حيث كان والده قسًّا، ونذرت والدته أن يسير على دربه ليصبح قسيسًا أيضًا. لكن نداء الحياة واختباراتها اختطفه بعيدًا عن هذا المسار، فاندفع نحو العمل السياسي المعارض واعتنق الأيديولوجيا الشيوعية. وخلال المرحلة الثانوية، ضبط وهو يوزع منشورات شيوعية، ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة لدراسة الصحافة وتخرج عام 1960، وهو العام ذاته الذي شهد اعتقاله بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي، وقضى عدة سنوات في سجن الواحات، تجربة شكلت منعطفًا فارقًا في مسيرته الأدبية والفكرية، حيث تعرف خلالها على الروائي الراحل صنع الله إبراهيم، الذي أصبح رفيقًا لحياته الأدبية لسنوات طويلة.
بعد خروجه من السجن، عاش مسعد فترة من التنقل بين عدة دول، كانت أشبه بمنافٍ اختيارية خوفًا من تكرار تجربة الاعتقال. في عام 1970 انتقل إلى وارسو لدراسة الإنتاج المسرحي، وعاش في بولندا خمس سنوات زار خلالها عددًا من البلدان السوفياتية، ثم انتقل إلى العراق ولبنان، حيث عمل في السينما والمسرح والصحافة، قبل أن يعود إلى مصر في بداية الثمانينيات، مستقرًا في شقة صديقه صنع الله إبراهيم، حيث كتب أول كتبه “صباح الخير يا وطن”، مستوحياً العنوان من تجربة الحصار في بيروت.
مع مطلع التسعينيات استقر في هولندا، وحصل على الاستقرار الشخصي والمكاني لأول مرة في حياته، مع زوجته الهولندية، واستطاع أن يكرّس حياته للأدب. صدرت روايته الأولى “بيضة النعامة” عام 1994، بعد ثماني سنوات من العمل المتواصل عليها، لتبدأ مسيرته الأدبية الرسمية متأخرة، لكنها حافلة بالإنجازات.
امتدت أعماله لتشمل الرواية والمسرح والسيرة الذاتية، ومن أبرز أعماله: “غواية الوصال”، “صانعة المطر”، “مزاج التماسيح”، “إيثاكا”، “في انتظار المخلص”، “الغرباوية”، “زجاج معشق”، و”زهرة الصمت”. كما أصدر سيرته الذاتية “لما البحر ينعس: مقاطع من حياتي”، حيث مزج فيها سرد حياته الشخصية مع السرد التاريخي لتجربته في المنافي، مؤكداً أن الأدب والحرية والإنسان لا ينفصلون عن تجربة الحياة بكل مفرداتها.
وعلى الصعيد المسرحي، كتب مسرحيات بارزة مثل: “يا ليل يا عين”، “لومومبا”، و”النفق”، وأسهم في تأسيس دور نشر مستقلة دعمت حرية التعبير وفتحت المجال أمام الأصوات الجديدة، وتعاون مع كبار الأدباء مثل صنع الله إبراهيم وكمال القلش في أعمال مشتركة، أبرزها “إنسان السد العالي”.
امتازت أعمال مسعد بالجرأة في معالجة الموضوعات الجسدية والنفسية، وبقدرته على تجاوز حدود النوع الأدبي التقليدي. فالرواية عنده ليست مجرد حبكة سردية، بل عملية مستمرة من المونتاج الأدبي، تجمع بين التاريخ والأسطورة، وبين الذات والقضايا الكبرى للحرية والعدالة. تناولت رواياته أيضًا العلاقات الشخصية العميقة، والصراعات بين الفرد والمجتمع، بين الإنسان وقيمه الأخلاقية، وبين الحرية والسلطة.
رحيل رؤوف مسعد ليس مجرد وداع لأديب بارع، بل فقدان صوت صادق للإنسان في ضعفه وقوته، للحرية في زمن القمع، وللفكر المستقل الذي لم يساوم على قيمه. تبقى كتاباته شهادة حيّة على قدرة الأدب على مواجهة السلطة وطرح أسئلة الجوهر في حياة الإنسان، وتظل أعماله خالدة، مرجعًا للباحثين والنقاد والقراء، ومثالًا حيًا على أن الإبداع الأدبي يتجاوز المكان والزمان، ليكون صوت الحرية والإنسان في كل العصور.

Leave a Reply