يُعدّ الأثر النفسي للحروب والأزمات ظاهرة عميقة وواسعة النطاق، تستمر عواقبها لفترة طويلة، إذ يترك النزاع المطوّل والعنف والنزوح آثارًا نفسية دائمة على الأفراد والمجتمعات، مسبّبًا العديد من اضطرابات ما بعد الصدمة، وهي حالة صحية وعقلية ناجمة عن حدث مرعب، سواء بالتعرّض المباشر أو بالمشاهدة.
كانت معركة كرري عام 1898 وما تلاها من أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ السوداني، ليس فقط بعدد القتلى، بل بما خلّفته من ندوب في الوعي الجمعي وآثار نفسية واجتماعية ممتدّة عبر الأجيال. وبينما اهتمت كتب التاريخ بالأحداث والمعارك، غابت الدراسات التحليلية والتوثيقية للآثار النفسية والاجتماعية، وظلّت ضمن “المسكوت عنه”، إلا من بعض الروايات الشفاهية وقليل من الأعمال الأدبية مثل شوق الدرويش لحمور زيادة وفاتنة المهدي التي تناولت “الإنسان المصدوم” في سياق سردي أدبي ضمن منهج الرواية التاريخية.
اليوم، ومع تجدّد الحروب والنزاعات، تتكرّر الأنماط ذاتها: نزوح، فقدان، خوف، اضطراب ما بعد الصدمة، وانهيار في النسيج الاجتماعي، وكأن التاريخ لا يزال يدور في الدائرة نفسها دون أن تُتاح فرصة حقيقية للتعافي الجمعي أو إعادة بناء الثقة بين الإنسان والمكان.
لقد أنتجت الحرب شعورًا عميقًا بالخذلان والاغتراب، وخلقت حالة من الشكّ والاحتراز الاجتماعي، وتراجعت قيم الأمان والتضامن، بينما انتشرت ثقافة الصمت والخوف. ومن هنا بدأ ما يمكن تسميته بـ”الجرح المؤسِّس” في الوعي الجمعي: جرح الهزيمة والنجاة في آنٍ واحد، جرح لم يُعالج عبر مصالحة تاريخية أو تفريغ نفسي جمعي حقيقي.
أظهرت دراسات مختلفة أن معدلات الاضطرابات النفسية والاكتئاب الشديد نتيجة الحروب والأزمات تتراوح بين 5 و40٪ من مجموع المتأثرين، وتكون أعلى لدى الأطفال والمراهقين. تبدأ الأعراض عادةً خلال شهر من الحدث مسبّبة مشكلات كبيرة ومتفاوتة في شدّتها على الحياة الاجتماعية والعمل والعلاقات اليومية، وتشمل الذكريات المتطفلة والتجنّب والرهاب والتغيرات السلبية في التفكير والمزاج وردود الفعل الجسدية والعاطفية.
ويُعدّ الاكتئاب، وقلق متابعة أخبار الحرب عبر الإعلام، من أكثر المشاعر شيوعًا، إذ يسبب انخفاض الطاقة والحماس ومشاكل في التركيز. كما يشير مصطلح قلق الحرب (War anxiety) إلى حالة من الحزن العميق والإنهاك النفسي والجسدي، تترافق مع تسارع نبضات القلب وتشنجات عضلية وغثيان ودوخة، وصولًا إلى نوبات ذعر وصعوبات في النوم.
وترتبط هذه الاضطرابات بأعراض جسدية مزمنة مثل أمراض القلب والمناعة الذاتية، نتيجة ارتفاع هرموني الكورتيزول والأدرينالين. أما الإنكار (Denialism) فهو أكثر الظواهر النفسية انتشارًا، إذ يمثّل آلية دفاع لاواعية لمواجهة حدث يصعب احتماله، عبر التهرب من الواقع أو تزييفه لتجنّب القلق والخوف، مما يجعل الفرد عاجزًا عن التعامل مع واقعه ومشكلاته.
ومن تبعات الحرب أيضًا تأثّر الأطفال إدراكيًا وانفعاليًا، وتأخّر نضجهم المعرفي واللفظي نتيجة صعوبة فهمهم للأحداث الصادمة أو فقدان أحد أفراد الأسرة. وتنعكس هذه الصدمات في سلوكيات كزيادة قلق الانفصال، التشبّث بالوالدين، نوبات الغضب، العدوانية، الخوف من الموت، وفقدان الإحساس بالأمان. كما تتضاعف الآثار لدى الأطفال ذوي الإعاقة أو فاقدي السند الاجتماعي.
تشير الدراسات إلى أن الناجين من الحروب يعانون معدلات أعلى من أمراض المناعة الذاتية مقارنة بالسكان المستقرين، بسبب الإجهاد المزمن، وسوء التغذية، والتعرّض للملوّثات، وضعف الخدمات الصحية.
لقد ركّز مؤرّخو الحروب على السياسة والعسكر، وأغفلوا الإنسان المصدوم؛ الذاكرة التي لم تجد من يصغي إليها، لغياب قراءة هذه الآثار بمناهج التحليل النفسي والدراسات الاجتماعية التي تضع الإنسان في “مركز السرد” وتبحث في كيفية شفاء الجراح لا تكرارها. فالسودان، في كل حروبه اللاحقة، ظلّ يحمل صدى بعيدًا من كرري وأم درمان.

Leave a Reply