من التمهيد للحرب إلى الدعوة للسلام حين تغيّر القوى مواقفها ولا تتغيّر ذهنيتها

صحيفة الهدف

✍️ أمجد السيد

اختتمت القوى السياسية وأطراف السلام اجتماعاتها بمدينة بورتسودان، معلنةً في بيانها الختامي انعقاد مؤتمر الحوار السوداني بمشاركة الجميع دون إقصاء، وتشكيل لجنة وطنية لإدارته بالداخل، مع الترحيب بالجهود الدولية والإقليمية لوقف الحرب.

كلمات جميلة، وصياغة تفيض حديثًا عن السلام الشامل والوطن الجامع ، لكنها تأتي متأخرة، وبعد أن دفعت البلاد أثمانًا فادحة بسبب خياراتٍ كانت هذه القوى نفسها في قلبها ووراء اشتعالها.

فهؤلاء الذين يرفعون اليوم رايات السلام للجميع هم ذاتهم من سهّلوا الطريق لانقلاب 25 أكتوبر، حين اصطفّوا أمام القصر الجمهوري في مشهدٍ مهّد للنكوص عن الانتقال المدني الديمقراطي. وهم أنفسهم من ناصبوا العداء للاتفاق الإطاري، وشيطنوا القوى المدنية، وباركوا الحرب تحت شعاراتٍ زائفة عن استعادة هيبة الدولة ومحاربة التمرد

وحين اشتعلت النار في كل بيتٍ سوداني، وتحوّلت المدن إلى رماد، مارس بعضهم أبشع أنواع التحريض والتخوين ضد كل من قال لا للحرب، وضد كل صوتٍ نادى بالسلام. واليوم، وتحت وطأة الضغوط الدولية المتزايدة، ولا سيما عبر مبادرة الرباعية بقيادة الولايات المتحدة، التي شددت على ضرورة إنهاء الحرب واستئناف العملية السياسية، بدأت هذه القوى تغيّر خطابها، محاولةً اللحاق بموجة “السلام الشامل” لتجد لنفسها موطئ قدمٍ جديدًا في مشهدٍ لم تعد تملك فيه زمام المبادرة.

لكن هذا التحول لا يعكس مراجعةً صادقة بقدر ما يعكس براغماتية سياسية مفرطة تسعى لحفظ المواقع القديمة بواجهات جديدة. فالقناعة بالسلام لا تُولد من ضغط الخارج، بل من إحساسٍ داخلي بالمسؤولية تجاه وطنٍ أنهكته المغامرات السياسية والحروب بالوكالة.

إن التحول الحقيقي لا يكون بتبديل الخطاب، بل بمراجعة المواقف والاعتراف بالخطايا السياسية التي أوصلت البلاد إلى هذا الخراب. فالسلام ليس لافتة تُرفع عند تبدّل الظروف، بل هو قناعة راسخة بأن الحرب لم ولن تكون طريقًا لبناء الدولة.

ورغم كل هذا الالتباس، فإن ما يجب أن يعلو فوق الجميع اليوم هو صوت الشعب، لا صوت القوى التي جرّبها الناس في كل محطات الفشل. ستنتصر إرادة السلام لا لأن هؤلاء قرروا أن يكونوا جزءًا منها، بل لأن شعب السودان، بكل جراحه، لم يعد يحتمل دورة جديدة من الخداع السياسي باسم الوطن.

ستتوقف الحرب يوم يدرك الجميع أن لا مستقبل يُبنى على الإقصاء ولا على الشراكة مع من صنعوا المأساة. فإما أن نختار سلامًا حقيقيًا يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، أو نظل ندور في حلقة مفرغة من مؤتمرات بلا ذاكرة وبيانات لا تسمن الوطن ولا تغنيه من دمار.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.