بقلم: طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
(من قلب المعركة… ومن صميم الوعي)
في التاريخ لحظاتٌ لا تُقاس بالزمن، بل بالنبض. لحظاتٌ يتقدم فيها الوعي الجمعي خطوةً فيتأخر العالم من حوله ألف عام. ولعلّ ثورة أكتوبر 1964 في السودان كانت من هذا الطراز النادر من اللحظات؛ لم تكن حدثًا سياسيًا فحسب، بل كانت فعلًا وجوديًا قرّر فيه الشعب أن يخلق نفسه من جديد. لم تكن ثورة ضد نظامٍ عسكريٍّ بقدر ما كانت ثورة على الخوف نفسه، ثورة على فكرة أن الإنسان العادي لا يملك من أمره شيئًا.
كانت أكتوبر أكثر من انتفاضة؛ كانت ميلادًا جديدًا للعقل السوداني، ودرسًا أخلاقيًا للعالم في أن الضعف حين يتسلّح بالوعي يتحول إلى قوةٍ خارقة. في لحظةٍ كانت فيها السلطة تملك السلاح، امتلك الشعب ما هو أخطر: امتلك المعنى. كان سلاحهم هو (النضال السلمي) الذي تحول، كما رأت (الهدف)، إلى (انتفاضة شاملة وعصيان وإضراب سياسي) حاسم. هنا فهم السودانيون الدرس العميق: الحرية ليست هبة تنزل من السماء، بل هي صناعة شعبية، والكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا بإرادة الحياة التي لا تقهر.
لم يكن الرفض في أكتوبر موقفًا سياسيًا، بل كان حركة كونية داخل الضمير الجمعي، إدراكًا أن قبول الظلم موتٌ بطيء. رفض السودانيون أن يعيشوا كظلالٍ في وطنهم، فخرجوا ليصنعوا من الشوارع نصوصًا جديدة للحرية. كما كتبت صحيفة الهدف في افتتاحيتها التاريخية:(أكتوبر ليست لحظة غضب، بل لحظة وعي.. رفضٌ للدكتاتورية والتسلط والطغيان، واصطفافٌ بين إرادة الحرية وسلطة البندقية)
في تلك اللحظة، تحوّل الرفض من ردّ فعل إلى جوهر وجوديّ، من موقفٍ إلى ميثاقٍ جمعيّ. كان رفضًا للوصاية، ورفضًا للصمت، ورفضًا لأن يتحوّل الإنسان إلى رقم في معادلات القوة. هكذا بدأت النظرية الأكتوبرية: أن الرفض هو أول شروط الحرية، وأن الصمت أول مداخل العبودية.
في أكتوبر، خاض الشعب معركته بلا سلاحٍ، لكنه حمل سلاحًا آخر لا يُرى: الوعي الجماعي. لم تكن سلمية أكتوبر ضعفًا، بل كانت قمة القوة. كانت قوة الروح في مواجهة عنف الحديد، كما لو أن الجماهير آمنت بما قاله غاندي يومًا: (قد يقتلون الجسد، لكنهم لا يملكون قتل الفكرة.)
تحوّلت الشوارع إلى مسارح للحرية، والمواكب إلى أنغامٍ للكرامة. كان المشهد كونيًا: طلابٌ يهتفون، عمّالٌ يضربون، نساءٌ يزغردن في وجه الرصاص، كبارٌ يرفعون الأكفٌ كدرعٍ أخلاقي في وجه السلطة الغاشمة. لقد فهم السودانيون الدرس الأكبر: أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا، وأن الإرادة الواعية قادرة على تحييد فوهة البندقية.
لم يكن نصر أكتوبر صدفةً ولا هبّة غضبٍ عابرة، بل كان ثمرة تنظيمٍ عقلانيٍّ مدهش جمع بين الشارع والمكتب، بين العفوية والتخطيط، بين العاطفة والعقل. كانت النقابات المهنية — من المحامين والأطباء إلى المعلمين والطلاب — هي الأعمدة التي حملت جسد الثورة، وحوّلت الفعل الشعبي إلى حركةٍ ذات وعي وبرنامج.
هكذا نشأت للمرة الأولى في التاريخ العربي فكرة (الجبهة المدنية المتحالفة)، التي جمعت بين منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية في شبكةٍ من التنسيق الذكي.
كان ذلك تجسيدًا لما يمكن تسميته بـ (النظرية الأكتوبرية في التغيير): أن الثورة ليست انفجارًا عاطفيًا، بل هندسة أخلاقية ومجتمعية تتكامل فيها النخب الواعية مع الشارع الحي.
لقد كانت أكتوبر، في بعدها الأعمق، رسالة عربية وإنسانية. ففي زمنٍ كانت المنطقة تغرق في صراعات السلاح والانقلابات، قدّم السودان للعالم تجربة فريدة، أن الجماهير العربية قادرة على إسقاط الطغيان بالعقل لا بالعنف، وبالحوار لا بالدم. تقاطعت أكتوبر مع روح الثورات التحررية في الجزائر وفلسطين والعراق، حيث كان الوعي القومي يشتعل كسراجٍ في ظلمة الاستبداد.
في العراق، على سبيل المثال، تجلت (الرسالة البعثية) في بناء الدولة الوطنية الحديثة التي جعلت من الإنسان قيمة مركزية في معركة التحرر والتنمية. وفي فلسطين، أثبت النضال العربي أن الهوية لا تُمحى بالاحتلال، بل تتجدد في كل جيلٍ يقاوم. هكذا التقت أكتوبر مع قوس النضال العربي الأوسع، مقاومة القهر، واستعادة معنى العروبة بوصفها رسالة حرية لا مشروع سلطة.
لم تكن أكتوبر معركة سياسية فقط، بل كانت ولادة ثقافة جديدة. في صوت محمد الأمين ومحجوب شريف ووردي، وهاشم صديق ،تحوّلت الأغنية إلى بيانٍ سياسيٍّ وصرخة وعيٍ شعبي.
أصبحت القصيدة سلاحًا، والموسيقى وسيلة تحريضٍ وشفاء في آنٍ واحد. كان الفن في أكتوبر امتدادًا للثورة، وكان الجمال وجهها الآخر. لقد فهم السودانيون أن الثورات لا تنتصر إلا إذا غنّت، وأن الحرية لا تكتمل إلا إذا أبدعت.
ليست ثورة أكتوبر صفحةً في كتاب التاريخ، بل فصلٌ في كتاب الوجود السوداني. هي لحظةٌ تتجدد كلما حاول الاستبداد أن يعود بثيابه القديمة. لقد أثبتت أكتوبر أن (الوعي الجمعي) هو الطاقة الوحيدة التي لا يمكن قهرها، وأن الشعب الذي يهزم السلاح بالإرادة لا يُهزم بعد ذلك أبدًا.
من رحم أكتوبر وُلدت انتفاضة أبريل 1985، ثم ثورة ديسمبر 2018، وكأن دماء أكتوبر لم تجف بعد، بل تجري في عروق الأجيال كأغنيةٍ لا تموت. أكتوبر لم تكن مجرد ثورة في السياسة، بل كانت ثورة في الفلسفة — فلسفة أن الإنسان حين يعي ذاته يصبح أكبر من كل سلاحٍ، وأقوى من كل نظام.
المجدُ لشهداء أكتوبر الذين علمونا أن الكلمة يمكن أن تكون أقوى من الرصاصة، وأن الوعي حين يستيقظ، يصنع التاريخ من جديد. والنصرُ لشعبٍ لم يزل يُعيد كتابة معنى الوجود، كلما قال (لا) للطغيان.

Leave a Reply