صمتُ السائق.. وصخبُ الأحكام

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي
#ملف_الهدف_الثقافي

في تجربة اجتماعية، تقدّم أحد أفراد الفريق وهو يحمل كاميرا ويُجري حوارًا سريعًا. اقترب من رجلٍ يقف بجانب حافلة، يتهيّأ الركّاب للصعود إليها. وقد بدا عليه التصميم، كمن يستنطق ضميرًا لا شخصًا عابرًا.

قال له: “ماذا لو صعد إلى هذا البص شخصٌ مريض؟ أو مسنّ؟ أو امرأة حامل؟ أو إنسان يبدو عليه التعب، ولم يجد مقعدًا يجلس فيه؟ أما كنتَ لتتنازل عن مقعدك؟”

نظر إليه بهدوء، كأنه لا يسمع الكلمات، بل يزن ما خلفها من افتراض. ثم أجاب دون تردّد: “لا، لن أفعل”.

تفاجأ المحاوِر، وانطلق يوبّخه كأنه يحمل ميزانًا لا يخطئ: “أين إنسانيتك؟ أين مرؤتك؟”

ابتسم الرجل وقال: لا، لن أفعل.. لأنني ببساطة، سائق هذا البص.

توقفت الكلمات، وارتدّ الموقف على المحاوِر كصفعةٍ من واقع لم يتوقّعه. لحظة واحدة كانت كفيلة بقلب الأحكام.

في الحياة، كثيرون نظنّهم متخاذلين، لكنهم في الحقيقة.. يقودون.

وهكذا، تحوّل المشهد إلى درسٍ في التسرّع، وفي الأحكام الجاهزة، وفي النوايا التي تُذبح أحيانًا باسم الفضيلة.

في كل يوم، نمرّ على مواقف نمارس فيها القسوة دون أن ندري. نُحمّل الناس ما ليس عليهم، ونعاتبهم لأنهم لم يعطونا ما لم يكن لهم أصلًا.

كثيرون نقابلهم في الحياة مثل سائق الحافلة.. لا يرفضون العطاء لأنهم أنانيون، بل لأنهم ببساطة ليسوا في موقع التنازل، بل في موقع القيادة.

تعلّم أن تفهم الدور، قبل أن تطلب الإيثار.


#أدب_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #قصص_واقعية #حكم_ومواعظ #مواقف_يومية #إدراك_الإنسانية #حكمة_السائق #القيادة_والإيثار #أدب_سوداني #قصص_تأملية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.