الأحواز والمـ.ـقاومة الثقافية حين تتحول اللغة إلى جبهة (3)

صحيفة الهدف

أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

مقدمة: في الأحواز العربية المـ.حتلة، ليست البنادق وحدها تُحـ.ـارب، بل الكلمات أيضًا. فحين يُمنع الطفل من النطق بلغته، تُطلق الرصـ.ـاصة الأولى على ذاكرته. اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل هي وعاء للروح ومخزن للوعي الجمعي. ولذلك يدرك الاحـ.ـتلال الإيراني أن السـ.ـيطرة على الجغرافيا لا تكتمل إلا بالهـ.ـيمنة على اللسان، لأن من يفقد لغته يفقد بوصلته التاريخية. وهكذا، تتحول المدرسة إلى ثكنة، والمنهج إلى أداة غـ.ـزو، واللغة العربية – التي كانت يومًا لسان القرآن والعلم – إلى منطقة محظورة داخل أرضها.

الأحواز، بهذا المعنى، ليست فقط أرضًا محـ.ـتلة، بل فضاء لغويًّا مغـ.ـتصبًا. فالاحتلال الإيراني مارس اسـ.ـتعمارًا مزدوجًا، تمثل في اسـ. ـتعمار الأرض واسـ.ـتعمار اللسان. عبر منع التعليم بالعربية، وتغيير أسماء المدن، وتجـ.ـريم تداول الصحف أو المنشورات التي تحمل حرف الضاد. إنها محاولة منهجية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي على الطريقة الفارسية، ليصبح العربي غريبًا في وطنه، ومُنكسر الذاكرة أمام تاريخٍ مفروض عليه لا يشبهه.

أولاً: من احـ.ـتلال الأرض إلى اسـ.ـتعمار الوعي: الاستعمار الحديث لا يكتفي بالسـ.ـيطرة العسكرية، بل يسعى إلى خلق (إنسان مُـ.ـستعمَر من الداخل)، أي ذلك الذي يتبنى رؤية المـ.ـحتل للعالم دون وعي. فحين يُفرض المنهج الفارسي في المدارس، وتُلغى مادة التاريخ العربي، ويُحرّم النشيد الوطني الأحوازي، تصبح المـ.ـقاومة الثقافية أشقّ من المـ.ـقاومة المـ.ـسلحة. إنها معركة طويلة ضد النسيان المنظم، وضد عملية (غسل الهوية) التي تُمارس تحت غطاء التعليم والإعلام والدين الرسمي.

وهذا ما يجعل الاحـ.ـتلال الإيراني نموذجًا دقيقًا لما يسميه الفيلسوف (فرانز فانون) بـ(الاستعمار النفسي)، حين تتحول أدوات الهيمنة من الدبـ.ـابة إلى اللغة، ومن الحاكم إلى المعلم، ومن الجندي إلى المذيع. هكذا يُعاد تشكيل الوعي الجمعي ليتماهى مع القوة المهيمنة، فتتحول لغة الضـ.ـحية إلى لغة هامشية، وثقافته إلى تراث يُستدعى للزينة لا للمعنى.

ثانياً: اللغة كجبهة للمـ.ـقاومة: في مواجهة هذا الاسـ.ـتعمار الثقافي، تبرز اللغة العربية كجبهة مـ.ـقاومة وجودية. فحين يكتب الأحوازي بالعربية، فهو لا يمارس فعل الكتابة فحسب، بل يمارس فعل التحرير. كل كلمة تُكتب بالعربية في الأحواز هي رصـ.ـاصة رمزية تُطلق ضد محو الذاكرة، وكل طفل يتعلم لغته الأم في بيتٍ أو مسجدٍ صغير، هو مشروع مقـ.ـاوم بالمعنى العميق للكلمة.

لقد تحولت القصيدة الأحوازية إلى نشيد سرّي يتداوله الناس في الظل، وحافظ الشعر على دوره كحارس للهوية، كما كان في عصور الاسـ.ـتعمار العثماني والغربي. كما أن الأغنية الشعبية واللباس والاحتفال بالمناسبات العربية (كاليوم العربي، أو المولد النبوي الشريف بالعربية) أصبحت رموزًا ثقافية تؤكد الانتماء وتُذكّر بأن الاحـ.ـتلال لم ينتصر إلا في الجغرافيا، لا في الوجدان.

وهنا يمكن أن نستحضر تجارب مشابهة في التاريخ العربي والعالمي، مثل مـ.ـقاومة الشعب الجزائري للفرنسة عبر حفظ اللغة العربية في الكتاتيب، أو مقـ.ـاومة الفلسـ.ـطينيين للطمس الثقافي عبر الأغنية والمسرح والشعر. الأحواز تسير على ذات الدرب، حيث يتحول التراث إلى ذاكرة مقـ.ـاومة، والهوية إلى فعل يومي.

ثالثاً: الثقافة كفعل تحريري: الثقافة ليست ترفًا في زمن الاحـ.ـتلال، بل هي جبهة مكملة للميدان العسكري والسياسي. فهي التي تحفظ المعنى حين يُشـ.ـوَّه، وتعيد صياغة الوعي حين يُصاب بالتشـ.ـوه. ولذلك، فإن تحرير الأحواز لا يمكن أن يتم فقط عبر العمل السياسي أو العسكري، بل يحتاج إلى مشروع ثقافي عربي متكامل يعيد للأحواز صوتها العربي وموقعها في الوجدان الجمعي للأمة.

إن التحدي اليوم لا يكمن في أن نُدين الاحتلال الإيراني، بل في أن نكسر جدار الصمت الثقافي حول الأحواز. أن تدخل الأحواز مناهجنا التعليمية، وأغنياتنا الوطنية، ومراكز أبحاثنا، وبرامجنا الإعلامية. فالمـ.ـعركة ليست فقط مع إيران، بل مع النسيان العربي الذي ترك هذا الجرح ينزف قرنًا من الزمن دون أن يضمده بالوعي.

ولعل أخطر ما في مشروع الاحـ.ـتلال الإيراني هو محاولته (اسـ.ـتعمار المستقبل) عبر تحويل الأجيال الجديدة إلى نسخ لغوية وثقافية تابعة، تفكر بلغة الآخر وتعيش بمعجمه. إن مقـ.ـاومة هذا المشروع تبدأ بإحياء اللغة العربية في الأحواز كهوية لا كأداة، وكروح لا كرمز، وكحلم لا كماضي.

رابعاً: نحو مشروع ثقافي عربي للأحواز: إذا كانت المـ.ـعركة الوجودية في الأحواز تدور حول اللغة والهوية، فإن الرد العربي يجب أن يكون ثقافيًا بقدر ما هو سياسي. المطلوب اليوم ليس فقط بيانات تضامن، بل خطة عمل واضحة تتضمن:

1. دعم المؤسسات الإعلامية والثقافية الأحوازية الناطقة بالعربية.

2. إنشاء مراكز بحث ودراسات تُعنى بتاريخ الأحواز وثقافتها.

3. إدماج القضية الأحوازية في المناهج والبرامج العربية.

4. تفعيل الدبلوماسية الثقافية في مواجهة الرواية الإيرانية عالميًا.

إن الدفاع عن الأحواز هو دفاع عن اللغة العربية نفسها، وعن حق الإنسان العربي في أن يكون فاعلًا لا مفعولًا به، حافظًا لتاريخه لا أسيرًا لرواية الآخرين عنه.

إن أخطر أشكال الاحتلال هي تلك التي تدخل إلى العقل قبل أن تدخل إلى الأرض. والاحـ.ـتلال الإيراني للأحواز أدرك هذه الحقيقة مبكرًا، فحاول أن يسـ.ـتعمر اللغة كي يُلغي الذاكرة. لكن ما لم يدركه هو أن اللغة ليست مجرد حروف، بل ذاكرة أمةٍ لا تموت، وأن الشعب العربي الأحوازي الذي قاوم السـ.ـلاح سيقاوم القلم أيضًا.

الأحواز اليوم ليست فقط قضية سياسية، بل قضية فلسفية تمس معنى أن تكون عربيًا في عالم يُحاول محو العروبة من جذورها. إنها معركة من أجل أن تبقى الكلمة العربية قادرة على أن تقول؛ نحن هنا، نحن عرب، ونحن أحياء.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.