إدانة كوشيب: العدالة تتأخر لكنها لا تموت

صحيفة الهدف

م عبدالمنعم مختار

#الهدف_آراء حرة

في السادس من أكتوبر 2025م، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي حكمها بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن (علي كوشيب) بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، لتعيد إلى الواجهة أحد أكثر الملفات السودانية تعقيدًا وإيلامًا.

المحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست في يوليو 2002م بموجب نظام روما الأساسي، تُعد أول هيئة قضائية دولية دائمة تختص بمساءلة الأفراد—وليس الدول—عن الجرائم الأشد خطورة: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. يقع مقرها في مدينة لاهاي الهولندية، وقد نظرت منذ إنشائها في قضايا مشابهة في رواندا، والكونغو، ويوغسلافيا السابقة، لتكرّس مبدأ أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم ولا تحميها السيادة.

القضية ضد كوشيب تعود إلى أحداث 2003م–2004م حين اندلع النزاع المسلح في دارفور، وارتكبت ميليشيات موالية للحكومة، بإشراف مباشر من قيادات عليا في نظام عمر البشير، انتهاكات واسعة النطاق شملت القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري، وحرق القرى. وفي مارس 2005م، أحال مجلس الأمن الدولي الملف السوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593، ما فتح الباب أمام ملاحقة المتهمين.

في يونيو 2020م، سلّم كوشيب نفسه طوعًا للمحكمة بعد سنوات من الاختباء، لتبدأ مرحلة التحقيقات التي انتهت اليوم بإدانته بعد خمس سنوات من جلسات مطوّلة وشهادات الناجين. هذه الإدانة، رغم تأخرها، تمثل خطوة أولى في طريق العدالة الطويل، وتؤكد أن الحساب، وإن طال، قادم لا محالة.

لكن القضية لا تنتهي هنا. فالمتهمون الرئيسيون الآخرون ما زالوا طلقاء، وفي مقدمتهم عمر حسن البشير، وأحمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين، وعبد الله بندة، وجميعهم مطلوبون للمحكمة بتهم مماثلة. ويُنتظر أن يشكّل حكم كوشيب سابقة قانونية تُمهّد الطريق لمحاكمتهم في المستقبل القريب، إذا توفرت الإرادة السياسية داخل السودان وخارجه.

إدانة كوشيب ليست فقط انتصارًا لضحايا دارفور، بل هي أيضًا رسالة رمزية للشعوب التي أنهكتها الحروب، بأن العدالة وإن تأخرت تظل ممكنة. كما تضع الحكم على عاتق السودانيين مسؤولية أوسع لمواصلة المطالبة بمحاسبة كل من ارتكب جريمة بحق هذا الشعب — من جرائم الحرب في دارفور، إلى مجزرة القيادة العامة، وقمع المتظاهرين، ونهب المال العام، وتخريب مؤسسات الدولة.

إن العدالة لا تكتمل بإدانة فرد، بل بمحاسبة المنظومة التي أنتجت الجريمة. وما حدث اليوم في لاهاي هو بداية لمسار العدالة، لا نهايته — خطوة أولى نحو إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وبناء وطنٍ لا مكان فيه للمجرمين فوق القانون.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.