المزاج العام كمتغير اقتصادي- نحو بناء مؤشر للسعادة الوطنية

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

مقدمة: (من الناتج المحلي إلى الناتج الإنساني): ظلّت الأمم لعقود طويلة تنظر إلى الناتج المحلي الإجمالي (GDP) بوصفه المرآة، التي تعكس عافيتها وقوة صعودها. غير أن هذه المرآة لا تُظهر إلا الأرقام والحجوم، فتسجّل قيمة السلع والأسلحة والكوارث كما تسجّل قيمة الإبداع والطب والتعليم، وكأن الوجود الإنساني لا يتجاوز حركة البيع والشراء. إنها مرآة عمياء عن الجوهر، عن المعنى، عن سؤال بسيط لكنه جوهري: هل نحيا حياة تستحق أن تُعاش؟

في هذا الفراغ، تبرز الحاجة إلى متغير جديد، لا يُختزل في المعادلات، ولا يُقاس بميزان الذهب وحده، بل يقيس نبض الروح الجمعي، وهو (المزاج العام. (إنه ليس عاطفة عابرة أو أثرًا نفسيًا هامشيًا، بل رأس مال خفي، قادر على تحريك عجلة الاقتصاد أو تعطيلها، على صناعة الثقة أو هدمها. إن بناء مؤشر للسعادة الوطنية هو إعلان أن ثروة الأمم ليست فقط في الأرض والموارد والأسواق، بل في الطمأنينة والرضا والمعنى، الذي يحياه مواطنوها.

أولًا: التشريح الفلسفي والاقتصادي للمزاج العام: من منظور الفلسفة، يمكن النظر إلى المزاج العام كامتداد لمفهوم الوعي الجمعي عند (دوركايم)، أو كتمظهر لروح العصر الهيغلية، أو حتى كظلّ للأفكار السائدة، التي تصوغ مصير الأجيال. إنه نسيج عاطفي غير مرئي، لكنه يتجسد في الثقة المتبادلة، في الحلم المشترك، في ذلك الإحساس الغامض بأننا جزء من قصة كبرى.

أما من منظور الاقتصاد، فإن المزاج العام يتجلى في ثلاثة مستويات أساسية:

1. محرك للسلوك الاستهلاكي والاستثماري: حين يسود التفاؤل، يغامر الأفراد ويستثمرون ويستهلكون، فتتحرك عجلة الاقتصاد. وحين يخيّم التشاؤم، يتقوقع الجميع في الادخار والانتظار، فتتجمد الأسواق، ويولد الركود من رحم الخوف.

2. مؤشر استباقي: أحيانًا يسبق المزاج العام كل الأرقام؛ فالشعور بالقلق وعدم اليقين يظهر في الشارع قبل أن يظهر في الجداول الإحصائية. إنه جهاز إنذار مبكر، يلتقط ما لا تلتقطه الحسابات الجامدة.

3. رأس مال اجتماعي: الثقة، التي يولدها المزاج الإيجابي تقلل الحاجة إلى المراقبة والعقود الصارمة، وتفتح فضاءات للابتكار والتعاون. فالمزاج العام الإيجابي ليس حالة وجدانية فقط، بل شرط حضاري للنمو.

ثانيًا: فشل الناتج المحلي الإجمالي في قياس الرفاهية: يعجز الناتج المحلي الإجمالي عن إدراك العمق الإنساني لعدة أسباب:

1. هيمنة الكم على الكيف: يسجّل عدد السيارات، لكنه يتجاهل الساعات المهدورة في الزحام. يحصي أرباح الدواء، لكنه يتعامى عن حياة صحية ممتدة أو عن المعاناة الإنسانية، التي تختفي خلف الأرقام.

2. خلط الوسيلة بالغاية: النمو الاقتصادي وسيلة، أما الغاية فهي الكرامة والرفاهية. حين تتحول الوسيلة إلى غاية، نصبح أسرى آلة نكدّ لتغذيتها دون أن تعيد إلينا المعنى.

3. التجميع الأعمى: يعامل الإنفاق على الترفيه مثل الإنفاق على علاج أمراض التلوث، وكأن الخير والشر سواء طالما تحققت الحركة الاقتصادية.

من هنا، يأتي مؤشر السعادة الوطنية لا لينفي الناتج المحلي، بل ليكمله ويوجهه، محوِّلًا البوصلة من (مستوى المعيشة) إلى (جودة الحياة).

ثالثًا: مكونات مؤشر السعادة الوطنية: نحو نموذج متكامل: لا يمكن اختزال السعادة بسؤال ساذج من نوع: (هل أنت سعيد من 1 إلى 10؟). بل يجب أن يتأسس المؤشر على رؤية فلسفية وعلمية متعددة الأبعاد، تجمع بين الذات الفردية والروح الجمعية، بين الجسد والعقل، بين الإنسان والبيئة.

ركائز المؤشر:

1. الرفاهية النفسية: الشعور بالمعنى، التوازن العاطفي، الرضا عن الذات والحياة. هذا هو قلب المؤشر، جوهر (الوجود الطيب).

2. الرفاهية الصحية: العمر المتوقع، الصحة العقلية والجسدية، جودة الرعاية الطبية. فالحياة لا تُقاس بعدد سنواتها فقط بل بنوعيتها.

3. الرفاهية الاجتماعية: قوة الروابط، الثقة المتبادلة، الإحساس بالأمان والانتماء. هنا يولد رأس المال الاجتماعي، الذي يحمي الأوطان من الانهيار.

4. الرفاهية البيئية: نقاء الهواء والماء، المساحات الخضراء، الوعي بالارتباط بالطبيعة. فالسعادة لا تُبنى فوق بيئة مدمرة.

5. الرفاهية الوظيفية والمالية: الشعور بالأمان في العمل، توازن الحياة والعمل، الإنجاز الذاتي. فالعمل ليس مجرد مصدر رزق، بل أحد معاني الوجود.

رابعًا: التحديات والإمكانيات: نحو تحويل المزاج إلى سياسات: رحلة بناء المؤشر محفوفة بعقبات، أبرزها:

1. تحدي القياس: كيف نقيس المشاعر والمعاني؟ هنا يلتقي علم النفس مع علم البيانات، حيث يمكن للتحليل الرقمي للمشاعر عبر وسائل الإعلام أن يرسم خريطة دقيقة لنبض الوطن.

2. تحدي الذاتية: السعادة ذاتية الطابع، لكن عندما تُقاس على نطاق واسع يمكن أن تكشف أنماطًا موضوعية تعكس الروح الجمعية.

3. تحدي السياسات: لا يكفي القياس، بل يجب تحويل النتائج إلى قرارات: استثمار في التعليم، في الصحة، في الفضاء العام، فيما يمنح الحياة قيمتها.

لكن الإمكانيات المقابلة هائلة: مؤشر السعادة يمكن أن يُعيد تعريف معنى (التنمية)، لتصبح الغاية هي الإنسان الحي، لا السوق العمياء.

خاتمة: إن الانتقال من الناتج المحلي إلى السعادة الوطنية ليس تغييرًا في الأرقام بل تحولًا في الفلسفة. إنه دعوة إلى عقد اجتماعي جديد، تُقاس فيه قوة الدولة لا بصلابة جدرانها الاقتصادية، بل بقدرتها على حماية الروح الجمعية وتغذية المعنى الإنساني.

إن الدولة التي تجعل المزاج العام جزءًا من معادلتها الاقتصادية تدرك أن أعظم أصولها ليس النفط ولا الذهب ولا الأسواق، بل الطمأنينة التي يعيشها مواطنوها. عندها فقط، يصبح الاقتصاد خادمًا للحياة، لا سجنًا لها؛ ويصبح التاريخ ساحة لصناعة إنسانية أعمق، لا مجرد تراكم للثروات

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.