▪️نتائج القبول بالجامعات السُّودانية المتداولة في الوسائط الإعلامية، وما عكسته من عزوف غير مسبوق في تاريخ التقديم للقبول في مؤسسات التعليم العالي السُّودانية- الحكومية والخاصة- يُؤشر عدّة معطيات جوهرية تُنذر بخطر قادم ووشيك، لا على مستوى التّعليم العالي وحسب؛ وإنما على مخرجاته البشرية التّنموية والأكاديمية.
ومنها أنّ الحرب الدائرة منذ عامين ونصف، وإصرار أطرافها وداعميهم على مواصلتها، قد أحدثت خللًا هيكليًا واجتماعيًا، في العملية التّعليمية برُمّتها، وأفرغت المدارس من طُلابها ومعلميها، والجامعات من أساتذتها، وتوجّست الأُسر خيفةً من التّقديم لقبول أبنائهم وبناتهم فيها. كما تُؤشر الظّاهرة إلى انعدام ثقة المواطنين وأولياء الأمور فيما تردّده حكومة (الأمر الواقع) في بورتسودان بشأن نجاحها في إجراء امتحانات الشّهادة السُّودانية المؤجلة للعام 2023م واستقرار الأوضاع الأمنية في العاصمة، التي تضُم معظم وأكبر الجامعات والمعاهد العليا في البلاد. فمن المعلن والمعلوم قبل اندلاع الحرب، أن (11) ألف أستاذ هاجر إلى الخارج، من جملة (22) ألف أستاذ جامعي، يعملون في (85) جامعة ومعهد عالي، بحثًا عن شروط خدمة أفضل.
▪️وقد أظهرت النتيجة المتداولة، ليس عزوف الطُّلاب عن التّقديم لبعض الجامعات أو الكليات فحسب؛ بل كشفت أيضًا، أن غالبية طُلاب السُّودان لم يجلسوا لامتحانات الشّهادة السُّودانية المؤجلة 2023م، بسبب المواقف العدمية لأطراف الحرب، التي حرمت الآلاف من الحركة والتّنقل والوصول إلى مراكز الامتحانات، رغم ما شاب إجراءاتها وترتيباتها من قصور وعيوب، وكانت قد أشارت (الهدف) لذلك من قبل في أكثر من كلمة.
▪️وتُفصح قراءة متأنّية لنتيجة القبول المعلنة، أن التّعليم بمراحله المختلفة، يشهد انهيارًا شاملًا في ركائزه ومحتواه، انعكس في انكماش من جلسوا لامتحانات الشّهادة من جهة، وعزوف من خاضوا امتحاناتها عن مواصلة التّعليم في مؤسساته السُّودانية من جهة أخرى، ويعزّز ذلك عدم إقبال طُلّاب الشّهادة العربية عن التّقديم للجامعات السودانية كما درجت العادة، وأن احتفاظ جامعة الخرطوم وعدد من كليات في جامعات أخرى، باستمرار الثّقة في مكانة جامعة الخرطوم وتلك الكليات، مردّه إلى النّظام الصّارم، الذي اتّبعته جامعة الخرطوم وتلك الكليات – خلال الحرب- وعنايتها الأكاديمية بالامتحانات والنّتائج، فقد جلس (343/644) ثلاثمائة وثلاثة وأربعون ألف طالب وطالبة من أصل ستمائة وأربعة وأربعون ألف طالب وطالبة، لامتحانات الشّهادة السُّودانية المؤجلة 2023م، قدّم منهم للقبول بالجامعات والمعاهد العليا (88) ألف و(14) طالب وطالبة فقط، بنسبة (59.6) من إجمالي الطلاب الناجحين، منهم ألف وسبعمائة واثنين وخمسين طالب وطالبة يحملون شهادات عربية وأجنبية، وجلس لامتحانات الشّهادة السُّودانية المؤجلة 2024م، (209/273) ألف طالب وطالبة.
▪️ولذلك فإنّ أرقام نتيجة القبول المتداولة في الجامعات تقول: إنّ استمرار الحرب يُهدّد بلادنا بتفريغ سكانها ومواطنيها في دول الجوار، أو في دول بعيدة، لجأوا إليها، طلبًا للأمان من الحرب وويلاتها ومآسيها، والبحث عن فرص أفضل لتعليم أبنائهم، في ظل تقارير كثيفة تشير لقرب تجدّد المعارك والقتال في كردفان ودارفور، وأخرى تتحدّث عن تلّوث كيميائي محتمل، لأحياء عديدة في الخرطوم، ومناطق أخرى من السّودان.
كما يؤشّر أن لجوء العديد من الجامعات والكليات لاعتماد صيغة التّعليم عن بعد، لم يحظَ بإقناع وبقبول كبير من الطُلّاب وذويهم، في واقع تنعدم فيه خدمات الكهرباء وتتردى فيه شبكات الإنترنت، والرعاية الصحية رغم تكلفتهما الباهظة، وقبل ذلك الأمن والطمأنينة.
▪️إن الحقيقة السّاطعة، التي تتجاهلها أطراف الحرب ومليشياتها المتعدّدة، وسلطات الأمر الواقع، أن لا تعليم في واقع أليم، وبلا أفق واضح للحل والاستقرار، وأن الأحاديث والتّصريحات (المجانية) عن الاستقرار وعودة الحياة لطبيعتها في العاصمة، التي تنقلها أجهزة الإعلام الرّسمية، لن تقنع المواطنين بالعودة إلى ديارهم ومنازلهم، وقد عاشوا تجارب الحرب المرّة بأنفسهم، وأكسبتهم من الوعي والخبرات، ما يمكّنهم من التّمييز بين الغث والثمين. وأن نتائج القبول المعلنة، هي جرس إنذار بالأخطار المحدقة الوشيكة، يجب أن يسمعه الجميع، لتدارك مصير الوطن ومستقبل أجياله من التّلاميذ والطُّلاب والعاملين في العملية التّربوية والتّعليمية، قبل أن تظهر نتائج الامتحانات المؤجلة للعام 2024م ويبكي الكُل على وطن لم يحافظ عليه المتصارعون حول السُّلطة، لحماية أنفسهم ومصالحهم الضّيقة وارتباطاتهم المشبوهة.
▪️إنّ ظاهرة العزوف عن مواصلة التّعليم العالي في مؤسساته السُّودانية، التي أظهرتها نتيجة القبول الأخيرة، وبمعزل عن الإنكار والمكابرة، تأتى تأكيدًا، اجتماعيًا، وطلابيًا، واقتصاديًا، على ضرورة وقف الحرب، عبر التّفاوض، كأولوية وطنية، آنية ومستقبلية، وتتبدى مأساة نتائج القبول في أن غالب ضحايا الحرب من، الذين تمّ تجنيدهم ضمن المليشيات المتعدّدة والمستنفرين، هم من الشّباب والأطفال، الذين توجهوا لساحات الموت المجاني والعسكرة، عوضًا عن التّوجه إلى مدرجات الجامعات والكُليات ومواصلة التعليم.
▪️فلتتضافر كل الجهود الشّعبية، وبكافة وسائل التّعبير -الممكنة- السّلمية الديمقراطية، لحشد أقصى الطّاقات عبر أوسع جبهة شعبية للدّيمقراطية والتّغيير، لوقف الحرب والحفاظ على حق السُّودانيين والسُّودانيات في الحياة و مزاولة حيواتهم الطبيعية، في وطن موّحد ومزدهر للسُّودانيين كافة،
السُّلطة المدنية الديمقراطية فيه من الشّعب ولأجله.
حزب البعث العربي الاشتراكي
(الأصل)
كلمة الهدف
2025/9/9

Leave a Reply