محمد حماد عبدالمنعم
يكتسب العنوان أهميته الخاصة في التعريف بأحد أبعاد المخاطر التي تهدد وحدة السودان الوطنية، وتقدمه ومستقبل الحياة فيه ما بعد إيقاف حرب (15 أبريل 2023م)، وذلك بالنطر إلى أن ما يطرحه تفكير تحالف (تأسيس) المضاد لتفكير تحالف (بورتسودان) مما يجعل من الفاعل والمراقب للأوضاع يتساءل عمَّا إذا كان وجود تمايز ثقافي وتعدد وتباين اقتصادي..إلخ في مجتمع يعتبر ذلك في حد ذاته عنصراً مولداً للصراع؟! وبالتالي تنشأ عنه حالات من ديمومة عدم الاستقرار؟! أم أن تسيس هذا التمايز والتعدد والتباين، هو الذي ينشئ عدم الاستقرار؟! ام أنَّ هذا التسيس هدفاً في حد ذاته، يستقل في المطلب الخاص، وإظهاره بمظهر المطلب العام؟
تحت شعار “حقوق المهمشين”، يُعاد إنتاج سيناريو التقسيم الذي شهده السودان بانفصال الجنوب (2011)، لكن بأدوات أكثر دهاءً هذه المرة: خطاب يختزل التنوع في ثنائية (المركز/الهامش)، ويحوّل المطالب المشروعة إلى ذريعة للانفصال.
لهذا نحاول هنا أن نستقرئ جانباً مما جاء به الكاتب خالد كودي معنوناً مقالاً بتاريخ 4 أغسطس 2025م باسم (السودان الجديد ينهض. ويتبع العنوان: تفكيك وهم الجبهة المدنية..إلخ) لا سيما وهي الجوانب التي لم تُطرق من قبل كثيراً، أي ما يتصل بالتفكير في خطاب المركز والهامش. وهي في النهاية جوانب تعبر عن وجهة نظر الكاتب واتجاهاته السّياسية والفكرية، فاتحة لبقية الاتجاهات والتيارات السّياسية في السودان للإدلاء بوجهات نظرهم حول الموضوعات المثارة.
أولاً: التباهي بالعمل المسلح والحديث عنه في السودان أصبح أمراً ثابتاً ومؤكداً وصل إلى حد الإعلان عنه والتباهي به علناً على صفحات الصحف والإعلام الحديثة، بالإضافة إلى وجود مسؤولين أمنيين على صدارة أجهزة الدولة المختطفة. وقد تصدت لهذه الظاهرة قوى سياسية وطنية حية وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي، وأوضحت مخاطرها ونبهت إلى انعكاساتها المدمرة على الوحدة الوطنية والأمن القومي. وأي بديل ديمقراطي، يجب أن يأتي بشرعية تفويض الإرادة الشعبية أو الانتخاب.
إضافة إلى كونها تندرج تحت منصة المخالفة العلنية لعمليات بناء الدولة الحديثة، وتبدو دلالاتها الواضحة في أن الأحزاب ذات الطابع العسكري غالباً ما تكون حاكمة وتعمل على استخدام أسلحتها في مواجهة معارضيها السياسيين وجماهير الشعب، كنموذج الجبهة القومية الإسلامية التي انتهجت العمل المسلح في السودان في تعاملها مع خصومها.
لذلك فإن حادث إعلان الحركة الشعبية عن عملية التغيير مع حلفائهم في تحالف (تأسيس)، يشكل مادة جديدة للتناول والتحليل، ليس من زاوية تأكيد الإدانة فقط، وإنما باعتباره مؤشراً لاتجاهات التصعيد المتعمد للعمليات الحربية العسكرية والعمل السياسي نحو تقسيم البلاد، بدعاوى تسيس أو توظيف خطاب (التهميش). وما حادثة هجوم “أم دحيليب” بجنوب كردفان في مايو 2025م من قبل الحركة الشعبية والدعم السريع وما نتج عنها من تهجير السكان إلا مثالاً على ذلك.
اتجاهات أخرى في وقائع الحرب:
حصار مدينة كادوقلي والدلنج والفاشر وصعوبة دخول المساعدات الإنسانية.
حصار الأبيض وخلق أجواء توتر في كردفان.
استجلاب أجانب للقتال في السودان.
إعلان حكومة موازية في نيالا بتصريحات عدائية.
هذه الاتجاهات تشير إلى التصعيد والتصعيد المضاد، وقد يعقبها تطورات خطيرة على المشهد السوداني. وبالرغم من خطورتها، لا يجوز الانجرار لردود أفعال متسرعة كما أشار وجدي صالح القيادي بالبعث، حتى لا نقع في فخ القوى التي تسعى لزيادة الفتنة.
ثانياً: دوافع دعاة خطاب المركز والهامش: للوصول لرؤية صافية لمستقبل السودان بعد وقف الحرب، من المهم مناقشة دوافع الهجوم على كل من يتحدث عن حقيقة الأزمة الشاملة. استمرار حرب أبريل 2023م بعد إعلان حكومات بلا سند ولا برامج سيقود لانقسامات أكبر. من هنا ظل مقترح (الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير) حاضراً منذ انقلاب (25 أكتوبر 2021م) لمعالجة الفشل المتراكم، ويدعو للحوار الداخلي بدلاً من الارتهان لمؤتمرات الخارج.
الحلقة الثانية
ثالثاً: دخول الحركة الشعبية تحالف تأسيس شكل تحولاً كبيراً في مجريات الحرب، ويعكس توجهاتها الثابتة منذ بيانها السياسي في 31 يوليو 1983م، حيث طرحت نفسها كمشروع سياسي وعسكري لأبناء المناطق المهمشة تحت شعار تحرير السودان من “طغمة الخرطوم”. وإذا كان المقصود حالياً “تحالف البرجوازية البيروقراطية” فإن ثورة ديسمبر 2018م قد أسقطت جزءاً من هذه الواجهة، لكن الانقلاب على الفترة الانتقالية أعاد المشهد إلى الوراء.
كان من الأجدر بالحركة الشعبية أن تندمج في مسار التحول الديمقراطي بعد زيارة حمدوك إلى كاودا، وأن تساهم في تصفية الإرث الإنقاذي وحماية الانتقال. فمشاريع التقسيم لا تبدأ بالدبابات بل بالشعارات والرموز والخرائط التي تعيد تشكيل الهوية الوطنية على مستوى اللاوعي.
إن استمرار الرهان على السلاح في ظل الأجواء المعقدة بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م وحرب 15 أبريل 2023م، سيزيد من تعقيد الأزمات. فالمشكلات الوطنية المزمنة التي أسس لها الاستعمار البريطاني ثم عمقتها سياسات ما بعد الاستقلال، خاصة سلطة الإنقاذ، خلقت حالة من التطور غير المتكافئ والتنمية غير المتوازنة.
اتجاه وطني جديد – الجبهة الشعبية العريضة:
إن سياسات حكم الفرد زادت من تعقيد الأزمات، ولجأت السلطة الإنقاذية عند فشلها إلى انقلاب 25 أكتوبر الذي توّج بحرب 15 أبريل، ما أدى لتدمير البنية التحتية والوحدة الوطنية. بعد هذه التجربة، لا بد من البحث عن إطار وطني جامع للحوار والتفاكر، والحل يكمن في جبهة شعبية عريضة تعالج الأزمة الشاملة عبر:
وقف العمليات العسكرية وإطلاق النار.
إدخال المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة.
التحضير لمؤتمر دستوري يفتح العملية السياسية.
الرموز والانفصال التدريجي: أخطر مراحل التفتيت تبدأ بالأغاني الجديدة والخرائط الموازية واللغة الإعلامية التي تفكك الهوية الوطنية وتحوّل المظالم إلى أعلام، ما يمهد لانفصال فعلي قبل أن تنفصل الجغرافيا.
الخاتمة: الحل يكمن في إنتاج مشروع وطني جامع يتجاوز ثنائية (الضحية/الجلاد)، ويضع المواطنة والعدالة والتنمية المتوازنة كأركان للدولة القادمة، عبر جبهة شعبية عريضة لا تكتفي بالشعار، بل تبني آلية عمل تقوم على:
مؤتمر وطني يشمل الجميع بعد نزع السلاح.
إصلاح دستوري يعترف بالتعددية ويحفظ الوحدة.
صندوق لتنمية الأقاليم بتمويل من عوائد الموارد الطبيعية.
أغسطس 2025م.

Leave a Reply