عجبت موسى والحظوة القديمة

صحيفة الهدف

محجوب المهدي
#ملف_الهدف_الثقافي
كان اسمها يورق كالنيم في الذاكرة: عجبت موسى، حفيدة الشيخ برير، المترقرق ذكره عند ضفاف النيل الأبيض، وقد سميت على جدتها العتيقة، تلك التي كانت تُنادى في الليالي الصعبة فتُهدأ الريح. جاءت إلى الحي في صحبة رجلٍ نُقل بعمله من الجنوب إلى هنا، حيٌ متداخل كجذور القندول، تظنه حين تدخل أنه يعرفك، ويكاد يناديك باسمك.

لكن ما إن وصلت، حتى نهض الحي كله كمن تنبه لصوت داخلي قديم، وصارت حركتهم كأنها مرتبة منذ زمن، تستجيب لهدوءٍ في مشيتها ورنةٍ في ضحكتها. كانت تدب الحياة في تفاصيلهم بلا أن تُعلن عن نفسها.

ثم جاء الانتقال الآخر، إلى طرفٍ رملي من الحي، حيث الدومة العتيقة تمد ظلها كجلباب مجروح، وحيث الماء شحيح، والكهرباء تنام كثيرًا. صار الجيران يجلسون تحتها كل ظهيرة، يتحاشون القيظ ويتبادلون الرطب والمكسرات، والضحك المختلط بالتحمّل.

في يومٍ أغبر، عكرت عجبت موسى صفو الجلسة بكلمة، كمن يسحب خيطًا سريًا من نسيج السكون:

> “ماذا لو انكسر فرع من هذه الدومة ووقع علينا؟”

سكت الجميع، ثم رنت فدوى كمن تستنكر التجديف:

> “دي شجرة صامدة من زمن الإنجليز… كانت هنا حين كان أبي صغيرًا.”

فقالت نهلة، بصوت فيه لمسة من الخوف الذي نُسي عمدًا:

> “لو وقعت علينا، مافي دفاع مدني بيقدر يشيلها.”

وقامت عجبت موسى، سليلة الصالحين، تصلي العصر في زاوية الظل. وما إن ركعت حتى انكسر فرع من الدومة، ضخم كقصة حبٍ منسية، وهبط بتؤدة كمن يعرف أين يقع. لم يُصب أحد سوى خدوش طفيفة في جبينها، كأنها علامة تُركت لتذكيرنا بالهامش الذي يفصل النذير عن النجاة.

وتساءل الجميع في أنفسهم، ولم يقولوا شيئًا:

هل كانت تلك رعاية الشيخ برير؟ هل يرفرف ظلٌ آخر فوقنا لا نراه، لكنه يعرفنا بالأسماء؟

رواية فدوى: ظل الدومة ورعشة الذاكرة

أنا فدوى. من مواليد هذا الحي، عشت فيه كل فصولي. أعرف الدروب، ومتى يعود القمر ليضيء الزقاق الضيق خلف بيت خالتي زهرة. نحن قومٌ تعودنا الحياة كما هي: الماء يأتي حين يشاء، والكهرباء تخجل من أن تطيل البقاء. لكننا نضحك، نحتفي بالصبر، ونجد في ظل الدومة العتيقة شيئاً من حضن الوطن.

حين جاءت عجبت موسى، شعرت بأن شيئًا تغيّر، كمن فتح نافذةً في بيت ظل مغلقًا سنوات. اسمها وحده يُثير في النفس شيئاً من الهيبة، حفيدة الشيخ برير، من النيل الأبيض… سيدةٌ هادئة لكنها ليست هامدة، نظرتها فيها رجاء قديم.

أحبت الجلسة تحت الدومة كما أحببناها. لكنها ذات ظهرٍ أغبر، قالت كلمة ما كنت أتصوّر أن تُقال:

> “ماذا لو انكسر أحد فروع هذه الدومة ووقع علينا؟”

قلت لها، ولم يكن في صوتي سوى استنكارٍ نابع من خوفٍ مضمر:

> “هذه شجرة صامدة منذ زمن الإنجليز… كانت هنا حين كان أبي يركض خلف العصافير.”

لكن نهلة، وكم في قلبها حكمة عذبة، قالت:

> “لو وقعت علينا، مافي دفاع مدني بيقدر يشيلها.”

ضحكنا، ثم سكتنا. وراحت عجبت موسى تصلي العصر. أنا كنت أراقبها من طرف عيني، كأن شيئاً يُنذر. وفجأة، وكأن السماء استمعت لحوارنا، سقط الفرع. لم يقع في المنتصف، بل انحرف قليلًا، وكأنه يعرف عجبت موسى بالاسم. أصاب جبينها بخدش، ورأينا الدم، لكنه كان هيناً… وكأن العلامة قد وُضعت لتبقى في الذاكرة.

الكل وقف مذهولًا. وأنا، لم أقل شيئاً، لكني فكرت: هل نحن حقًا في حماية الشيخ برير؟ وهل هذه الدومة، التي طالما حمَتنا، باتت تهمس بما لا نفهمه؟


رواية نهلة: كأن الفرع ينصت لنا

أنا نهلة. لا أعيش هنا، بل أزور آسيا، جارة أمينة، حين تضيق النفس أو تشتهي صوتًا غير عتاب المدينة. هذا الحي فيه شيء لا يمكن أن يُحكى: كأن كل بيت يعرف القادمين ويُفسح لهم مكانًا على الأرض قبل أن تُقال الكلمة.

في ذلك اليوم، كنت أشعر بالحرّ يحاصر الرئتين، وكانت الدومة العتيقة تظللنا كما تفعل كل مرة، ونحن نتقاسم القهوة والتمر والمكسرات، ونحاول أن نضحك أكثر مما نشكو.

كانت عجبت موسى معنا، حديثة عهد بالمكان، حفيدة الشيخ برير كما يقال… فيها ما يربك النفس، لا لغرابة، بل لأنها تشبه أشياءً نسيتها الحياة الحديثة. كانت ساكنة وموقّرة، لكن كلامها أحياناً يوقظ القلق الذي ينام فينا.

حين قالت فجأة:

> “ماذا لو انكسر فرع من هذه الدومة ووقع علينا؟”

شعرت بشيء في صدري. فدوى ردّت بلهجة من تربّت تحت هذه الدومة:

> “شجرة صامدة من زمن الإنجليز.”

وأنا، لا أدري لماذا قلت:

> “لو وقعت علينا، ما الدفاع المدني بيقدر يشيلها.”

لم تكن نكتة، كانت ملاحظة؛ أقرب للهاجس. نظرت إلى وجه عجبت موسى، وكانت تتجه للصلاة. صوت صلاتها كان له صدى غريب، كأنه يهمس للسماء.

ثم حدث ما لا يُقال بسهولة: الفرع الكبير، الذي لطالما حميناه وخفنا أن يُبتر، سقط. لا على الجمع، بل على طرف الدائرة، حيث كانت تصلي. كأن الفرع سمعنا وتردّد، ثم وقع بخفة على كتف الزمن.

أصيبت بخدش بسيط، لكن نظرة الجميع كانت ممتلئة بأسئلة لا إجابة لها.

هل هي علامة؟ حماية؟ تحذير؟

أنا، نهلة، لا أدّعي الفهم، لكنني منذ ذلك اليوم، أرفض الجلوس تحت الدومة دون أن أُتمتم بسورة الفاتحة، فقط لأتأكد أن كل شيء لا يزال على ما يرام.


—الفرع كما رواها أبوبكر

أنا، أبوبكر، ابن أم بشير، خادم ظل الدومة منذ كنت صغيرًا. ما بين المصلين تحتها والذاكرين، عرفت أن الشجرة ليست شجرةً فحسب، بل مأوى للنفوس المتعبة، وراوية الأسرار إن أُحسن الاستماع.

كنت واقفًا ذلك اليوم، ظهيرةٌ فيها الهواء كأنما نَفَس من صدر أرضٍ عطشانة. رأيت عجبت موسى تأتي بخُطاها التي لا تقيس الأرض، بل تقيس الوقت. كانت عيناها تبحثان عن شيء لا يُقال، شيء بين السماء وأوراق الدومة. وقلت في نفسي: هذه المرأة لا تصلّي، هي تُحدّث الله.

فسحت لها المكان، لا بدافع الشهامة، لكن لأنني شعرت أن الأرض تريد أن تسمع دعاءها. مدت السجادة، وفي جلستها خشوعٌ يجعل من الهواء ذاكرةً.

حين ركعت، سمعت صوتًا في الشجرة—لا كصوت فرع يسقط، بل كصوت عهد ينكسر ويُعاد تشكيله.

سقط الفرع، ولم يسقط بعشوائية. كأنه تَحَيَّن اللحظة، كأنه استأذن السكون. انحنى على كتف عجبت موسى، لا يؤذي بل يُبارك، وانفجر في قلب الجميع هلعٌ لا يشبه الهلع، بل استفهامٌ كبير.

ركضت، وكنت الأقرب. لم أفكر. وضعت يدي على جبينها، فكان حرًّا كصيف الأمطار الأولى. رأيت في عينيها شيئًا يذكّرني بحديث جدتي عن الأولياء الذين كانت الدومة تشتاق إليهم.

النسوة اجتمعن، منهن من بكت، ومنهن من تمتمت بآية. أما أنا، فقلت لها بهدوء:

> “الفرع ما سقط، الفرع زارك.”

جلستْ بعدها، صامتة، وعرفت أن في صمتها دعاءً، وفي الدعاء بدايةً.

ومن يومها، لا أجلس تحت الدومة كما كنت. أجلس كمن يحرس الوحي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.