ينابيع البعث : مم يتشكل الفكر البعثي؟

ينابيع البعث : مم يتشكل الفكر البعثي؟

حقائق واوهام

مقدمة

منذ شرعنا بمقاومة الغزو الصھیو- امریكي – ایراني للعراق، ونحن نعلن ھویتنا البعثیة بصوت عال، مع اننا لم نفعل ذلك اثناء حكم البعث، ونتمسك بھا حد الاستشھاد، بصفتھا منار ھدایتنا وصوابنا في عالم مظلم وظالم، اخذنا نتلقى رسائل كثیرة تسأل عن البعث وھویتھ ومیزاتھ وحقیقتھ، لان البعث تعرض لمسلسل اكاذیب شوھت صورتھ لدى البعض، او لان بعض البعثیین قصروا في واجباتھم.وكانت اكثر الرسائل اثارة لاھتمامي تلك التي تلقیتھا من اشخاص في المغرب العربي من الجزائر والمغرب بشكل خاص. احد الاشخاص یقول لي انھ معجب بالبعث ومقاومتھ المسلحة للاحتلال، ولكنھ یتسائل بصدق : لاجل تسھیل انضمام الملایین العربیة والاسلامیة الى البعث لانھا تحترمكم وتحبكم وھي تشاھدكم تقاتلون الاحتلال الامریكي للعراق لم لا تبدلون اسمكم من حزب البعث العربي الاشتراكي الى حزب البعث العربي الاسلامي؟ واخر یسألني ان ازوده بكتب عن البعث، خصوصا عن مفھوم العلمانیة لدیھ، لانھ فوجئ بنھوض ھذا الحزب المقاوم وشجاعة مناضلیھ وعدم ارتداد اي منھم رغم اغتیال الاف البعثیین والتصفیات الجسدیة التي یتعرضون لھا في ظل الاحتلال، وصفة البطولة البعثیة ھذه ھي صفة لا یتمتع بھا الا مؤمن بالله وبوطنھ وقداسة قضیتھ. ورغم انني اجبت على ھؤلاء برسائل شخصیة الا انني قررت منذ اكثر من عامین ان اكتب عن البعث لاعرف اولئك العرب بھ، اضافة لتثقیف جیل جدید كامل انخرط في البعث بعد الغزو وھو یتالف من الاف المجاھدین المقاتلین في العراق، والذین یحتاجون لمعرفة فكر البعث الحقیقي ولیس فقط معرفة انھ حزب شجاع ومقاتل. لقد تعرضنا نحن البعثیون لاشرس حملة تصفیات جسدیة لكن الحملة الاخطر كانت حملة تشویھ ھویة البعث والتي قامت بھا اطراف عدیدة في مقدمتھا امریكا واسرائیل وایران، اضافة لجماعات مضللة او جاھلة لم تعرف البعث الا بالواسطة !سامح الله ھذه الجماعات المضللة وھداھا بنوره لرؤیة الحق البعثي.

ظھور الحق : سقوط مؤامرة الشیطنة

بعد ٣٥٠ عاما من الحكم علیھ بالاعدام نتیجة اتھامھ بالھرطقة، وھي تھمة تكفیریة من الطراز الاول، اعترفت الكنیسة بان غالیلي غالیلو العالم الكبیر كان محقا وان الكنیسة كانت مخطئة، وقدمت اعتذارا لعظام غلیلو بعد ٣٥٠ عاما على خلوھا من اللحم! كان غالیلو قد اكد ان الارض لیست مركز الكون وانما تدور حول الشمس، وكان تابو (المقدس الذي لا یمس (الكنیسة انذاك ھو القول بان الارض ھي مركز الكون، وفسرت الكتاب المقدس على نحو یخدم ھذه النظریة وكفرت غالیلو وحكمت علیھ بالاعدام بسبب اصراره على نظریتھ العلمیة، والان وبعد ٣٥٠ عاما تعتذر الكنیسة وتعترف بانھ كان على حق وكانت ھي على باطل ! والبعث تلك الحركة الانقلابیة التاریخیة التي ھزت القرنین العشرین والحادي والعشرین بافكارھا وحیویتھا وتمیزھا باھداف تدیم وجودھا لقرون وربما لالاف السنین، تعرضت الى ما یشبھ ما تعرض لھ غالیلو من سوء فھم او تعمد اساءة الفھم من (كنائس) العصر، السیاسیة والدینیة والعلمانیة، في الوطن العربي ثم في العالم والتي تعمدت شیطنتھ، بتلفیق سلسلة اكاذیب وسخة، كما شیطن غالیلو للتمھید لاعدامھ . لكن كان ھناك فرقا جوھریا بین غالیلو والبعث وھو ان غالیلو كان فردا حملرسالة علمیة لوحده فجاء الحكم بتكفیره من الاصولیة الدینیة المتطرف لیضع حدا لوجوده الشخصي، بینما البعث حركة تاریخیة، قبل ان تصبح حزبا سیاسیا، لھا مؤمنون بھا على امتداد الوطن العربي، حملوا رسالتھا الانسانیة الخالدة (خلود تطور المھام التاریخیة وانجازھا)، لذلك فان حركة البعث، التي انتجت حزب البعث والناصریة، استمرت بفضل توالي المؤمنین بھا، فكلما افل جیل بعثي تقدم جیل اخر یحمل الرایة البعثیة لتستمر في العطاء الثر وتستمر في التحدي لاعداء الامة من الرجعیین والقوى الاستعماریة والصھیونیة العالمیة . لقد عاد البعث الى ساحة النضال علنا، بعد حوالي اربعة سنوات من النضال السري الشاق جدا، رغم ابادة الالاف من مناضلیھ على ید الاحتلال الامریكي وعصابات وفرق الموت الفاشیة الایرانیة، ورغم وجود الاف اخرین في سجون الاحتلال، عاد البعث یدق ابواب حریة العراق واستقلالھ كبلدوزر یزیل الانقاض لاقامة عمارة المستقبل الوضاء بفضل مقاومتھ المسلحة للاحتلال، ھو واشقاءه المجاھدین غیر البعثیین، والتي مرغت انف امریكا في وحل الھزیمة. والسؤال الجوھري الذي اخذ یفرض نفسھ بقوة بعد كل ما حصل ھو : ماسر استمراریة البعث وجاذبیتھ رغم كل محاولات الشیطنة التي تعرض لھا من قبل امریكا واوربا وانظمة عربیة وایران؟ ان السر السھل الفھم والاكتشاف ھو تجسید البعث للاتحاد الخلاق بین اربعةمفاھیم ھزت القرن العشرین ومطلع القرن الحادي والعشرین وستھز بقیة ھذا القرن وھي : تولیفة القومیة العربیة والحریة والاسلام والاشتراكیة. بفضل ھذهالمفاھیم المترابطة صعد البعث الى قمة مجد النضال وحقق، عندما استولى علىالسلطة في العراق، ما لم یحققھ اي نظام عربي او عالمي على الاطلاق من انجازات عظمى خلدتھا الاجیال، من بینھا أزالة الفقر تماما وتحقیق الرفاھیة لكلالعراقیین ولیس لفئة منھم، وكان لھا ابلغ الاثر في توفیر حزام امن شعبي حول البعث، بعد اسقاط الاحتلال الامریكي لنظامھ الوطني التقدمي، مما مكن الحزب من اشعال اعظم مقاومة مسلحة في التاریخ الانساني كلھ ھي المقاومة الوطنیة العراقیة المسلحة . ما ھي معاني ومضامین ھذه الكلمات الاربعة؟ وھل ھي تشابھ نفس الكلمات من حیث المضمون لدى غیره البعث من الفئات السیاسیة؟ ما معنى القومیة في البعث؟ وما ھو تعریف الحریة في التراث البعثي؟ وماھي اسلامیة البعث؟ وھل اشتراكیة البعث تشابھ الاشتراكیة الماركسیة – اللینینیة؟ اننا عندما سنجیب على ھذه الاسئلة فاننا سنساھم في التذكیر بمنطلقات البعث الاصیلة والاصلیة من اجل توضیح مسار البعث في القرن الحادي والعشرین استنادا الى ما وضعھ القائد المؤسس العبقري الكبیر والمجاھد العظیم احمد میشیل عفلق، وما اضافھ قادة الحزب ومنظریھ لفكر الحزب وممارساتھ، منطلقین من تكییف عصري لمنطلقات البعث، لیس بمعنى تغییرھا، فھي اداة عمل ثابتة في مراحل تاریخیة كاملة، بل بمعنى تفسیر قوانین العصر الجدید في ضوء المنطلقات الاساسیة للبعث والتي وضعت بالدرجة الاولى لتدوم قرونا، ولیس سنوات كما ھي حال الاغلبیة الساحقةمن الاحزاب العابرة .وھنا لابد من لفت النظر الى ان فكرة (التكیف مع العصر) ما ھي الا خداع وابتزاز سایكولوجیین ھدفھما تحقیق انحراف عن المبادئ، لان التكیف مع ضرورات مرحلة من تطور الفساد العالمي والاقلیمي فعل انتھازي وردة حقیقیة لا تقع في فخھا الا الاحزاب الطارئة، وتناس تام لحقیقة ان البعث حركة تغییر جذري وانقلابي شامل لواقع الامة الفاسد والشاذ، وتأسیس بدیل لھ ولیس التكیف مع متطلبات الواقع الفاسد مع ترقیعھ. لذلك فان البعث لا یتكیف مع الانحراف عن المبادئ، ولا تجرفھ موجات العصر، بل انھ یتفاعل مع الانجازات العلمیة والتكنولوجیة ویعدل ھوامش مساراتھ الكبرى، انسجاما مع سنة التطور، دون المس بجوھر مبادئھ، كما تتجسد في ینابیع البعث وھي القومیة والحریة والاسلام والاشتراكیة . اننا اذا راجعنا وتراجعنا عن الاشتراكیة والحریة والقومیة والاسلام، نزولا عند حاجات انیة، او موضات تجتاح الھضاب، فان ھویتنا العربیة الاسلامیة التقدمیة تكون عرضة للضیاع، كما اننا نمھد لتحولنا من حزب یحمل رسالة تاریخیة عظمى یستغرق تحقیق اھدافھا عقودا وربما قرون من الزمن، الى حزب اني قد یتوسع في ظرف ما لكنھ یزول حتما بعد حین. والان نواجھ حملة اجتثاث البعث، فكرا قبل التنظیم، لان تشویھ الفكر یفقدنا البوصلة التي تحدد مسارنا التاریخي ویفضي الى قیام بعث بلا روح البعث ولا یختلف عن الاحزاب الرجعیة والالحادیة والقطریة والشخصیة. وفي مرحلة اجتثاث الفكر البعثي، وھو اھم اھداف الاحتلال الصھیو- امریكي – ایراني للعراق، نجد انفسنا كبعثیین امام نقطة البدایة، اذ علینا ان نؤكد ھویتنا القومیة الاسلامیة الاشتراكیة ونحفر الخنادق الحصینة حولھا لمقاومة لیس الجیوش المحتلة فقط بل لمقاومة الغزوات الایدیولوجیة قبل ذلك، التي تستبطنھا تیارات مدمرة كالطائفیة والعرقیة والعصرانیة المنفلتة من اي ضابط قیمي والتي تصدرھا لنا امریكا واسرائیل وایران . ان البعث حركة تاریخیة انتجت حزبا جماھیریا، اصبح الاكبر والاوسع جماھیریة في الوطن العربي، والارسخ جذورا وقدرة على مقاومة عملیات التصفیة الجسدیة التي تعرض لھا مرارا واخطرھا بعد احتلال العراق من قبل الصھیونیة الامریكیة وایران، نتیجة الاندماج التام بین وجوده كحزب محدود بالتنظیم مھما كبر و كحركة تاریخیة مفتوحة على المستقبل، مع احتفاظ الحركة البعثیة بخصوصیتھا الایدیولوجیة ونقاوتھا المبدأیة التي اصبحت مرجعا للبعث الحزبي الممارس یعود الیھا كلما اربكتھ الممارسة في بیئة خطرة وتنطوي على التباسات قد تكون مدمرة للاصل. ولھذا فان البحث في البعث فكرا وسلوكا یتطلب التنبیھ لاھم ممیزاتھ التكوینیة والتي اصبحت النبع الصافي لتجدده وشبابھ الدائم وتجاوزه لمحن التصفیات الجسدیة والفكریة والانشقاقات غیر المبررة التي تعرض لھا. وقبل ان نبحث في الفكر علینا ان نوضح مسالة مھمة وحیویة وھي ان اخطاء البعث سواء في السلطة او خارجھا ھي نتاج طبیعي للتكوین الاجتماعي للحزب كحركة بشریة تتشكل من بشر خطائین بالطبع، اضافة لقانون مطلق یتحكم بكل من تصدى لاحداث تغییر تاریخي كبیر في مسار البشریة وھو الخبرة والتي لا تأتي من فراغ بل من التجربة الحیة، ولیس من بطون الكتب مھما كانت ھذه الكتب عظیمة، وھي لذلك، اي الخبرة، تتشكل تدریجیا وتبدأ بالحد من الاخطاء البشریة وتشخصھا كلما تراكمت وتعمقت. لھذا نقول بشجاعة الفرسان نعم كانت لنا اخطاء كثیرة لكنھا اخطاء بشر وھي، اذا قورنت بالانجازات، فانھا تبدو محدودة وثانویة وطبیعیة. لقد كنا بنائین ومنجزین عظام لافضل تجربة حكم في الوطن العربي، لعدة اسباب منھا ان البعث كان اول من ازال الفقر والامیة وجعل الطب والتعلیم مجانیین ووفر الامن والامان للمواطن، وحرره من الخوف المادي من الغد، وانشأ جیش العلماء والمھندسین، وامم النفط وجعلھ في خدمة الشعب العراقي وفقراء العرب…الخ، وقبل ھذا وذاك اصبح البعث اول من بطح امریكا، وھي تنفرد بحكم العالم، واطلق رصاصة الموت على مشروعھا الامبراطوري. وبھذا المعنى فان التجربة البعثیة التي ابتدأت عام ١٩٦٣ باستلام السلطة في العراق ثم في سوریا كانت فقیرة انذاك، وتضافرت ھذه الحقیقة مع الاثر الذي تتركھ التحدیات الاتیة من الخصوم والمنافسین والاعداء، فنتج عن ذلك مسلسل من العمل التجریبي الغریب عن الحزب بعضھ صائب وبعضھ الاخر خاطئ .ما نرید تاكیده ھو ان الحركة التاریخیة، ومھما كان للافراد دور عظیم في انشاءھا وتطویرھا، تبقى ملك الجماھیر والتاریخ وتسیر وفق الیات ذاتیة مستقلة عن الافراد، وتنحو منحى العودة للینابیع الاصیلة والاصلیة كلما اجبرتھا تجارب الحكم على دخول مسارات غریبة عنھا. لذلك فاننا لاننظر للبعث من زاویة انجازاتھ العظمى فقط او اخطاءه فقط بل أیضا من زاویة انھ حركة تاریخیة تقترن الیوم بطلائع مناضلة معینة لكنھا غدا ستزول وستبرز من رحم الحزب والمجتمع طلائع اخرى تحمل الرایة وتواصل السیر في طریق البعث مھتدیة باھدافھ المقدسة نافضة عنھ الخدر وغبار المعارك والبناء ومتمسكة بالفكر البعثي التأسیسي .

لماذا البعث كحركة تاریخیة؟

لقد شھد الوطن العربي ظھور الحركة القومیة العربیة على نحو بالغ الوضوح نتیجة عاملین حاسمین، العامل الاول مجاورة الامة العربیة لاثنین من اكبر الامم الاسلامیة واكثرھا تفاعلا مع الامة العربیة، سلبا وایجابا، وھما الامة الفارسیة والامة التركیة العظیمتین، والعامل الثاني ھو حالة التجزئة التي تعرضت لھا الامة العربیة وحولتھا الى اقطار متناثرة تتحكم فیھا اقلیات غریبة او دول مجاورة او استعمار. فالامة الفارسیة من الامم العظیمة التي قدمت للبشریة انجازات حضاریة كبیرة قبل الاسلام، والامة التركیة عظیمة لانھا ساھمت بنشر الاسلام بعد تدھور دور العرب فاوصلتھ الى اوربا. وكان لھذا التجاور الاثر الحاسم في تمییز الحركة القومیة العربیة في المشرق العربي عن جزءھا الاخر في المغرب العربي، ففي حین كان التھدید الذي واجھ المغرب العربي استعماري غربي یتبرقع بالمسیحیة، فاصبح المضمون الاسلامي للنضال التحرري المغاربي طاغیا على المفھوم القومي، كان التھدید الذي واجھ المشرق العربي یأتي من امتین اسلامیتین، احداھما، وھي الامة الفارسیة دخلت في صراعات وحروب متكررة مع العرب قبل الاسلام واخذت بعد ادخالھا الاسلام بحد السیف تتحین الفرص لتدمیر الدور العربي والحضارة العربیة، وسجل التاریخ بعد الاسلام ان ھذه الامة المجاورة قد غزت العراق اكثر من مرة ودمرتھ وقتلت مئات الالاف من ابناءه. والثانیة ھي الامة التركیة، التي اقامت امبراطوریة اسلامیة باسم الامبراطوریة العثمانیة وكان ذلك انجاز عظیما جدا، لكنھا فتحت باب الصراع، مع العرب وغیر العرب داخل الامبراطوریة، من خلال سیاسة التتریك ومحاولة تذویب الھویات القومیة المكونة للامبراطوریة. نتیجة لھذا الوضع الجغرافي نشأ نوع من الخصوصیة في الصراع الاقلیمي في المشرق العربي، میزتھ الطاغیة ھي التمسك بالھویة القومیة لتجنب تأثیرات الامة الفارسیة او الامة التركیة الاحتوائیة! وھنا تغیر دور الاسلام، ففي حین كان الاسلام عامل توحید للمغاربة ضد الاستعمار الغربي فان الصراعات في المشرق استبعدت الاسلام لانھ دین كل المتصارعین من عرب وفرس واتراك، ثم شھدنا الانقسامات الطائفیة تضرب جسد المسلمین نتیجة الرغبة العارمة للشوفینیة الفارسیة في التحكم بمصائر كل شعوب المنطقة باسم التشیع الصفوي الذي صنعتھ ھي لخدمة اغراضھا الستراتیجیة .

حركة البعث انبثقت من رحم ھذه السمات الواقعیة وعبرت عن رد تاریخي ضد ھذا الواقع، وتلك ھي الخصوصیة البعثیة التي امسكت بطرفي المعادلة : ففي المشرق اتسمت الحركة الوطنیة العربیة بانھا ذات طبیعة قومیة طاغیة لمواجھة التتریك والتفریس، فتنحى الاسلام الى الخلف واحتفظ بدوره التقلیدي، وھو انھ المعین الروحي للحركة القومیة وروادھا دون ان یزج في الصراع والتعبئة. اما في المغرب فان التحدي الاستعماري الفرنسي لم یكن فقط قائما على نھب الثروات بل ایضا على تذویب الھویة العربیة عبر محاولة الطعن بالاسلام وتشویھھ، مادام الاسلام ھو مصدر تماسك وحیویة الھویة العربیة. بین التخلص من التتریك والتفریس في المشرق، واشتعال النضال ضد تذویب الھویة العربیة بالتخلص من حافظھا وھو القران الكریم في المغرب العربي، برز البعث حركة توحیدیة ھدفھا الحفاظ على الھویة العربیة الاسلامیة في ان واحد .

خصوصیة البعث : تجسیدھا الواقعي

كیف رد الاصلاحیون العرب في احزابھم وحركاتھم السیاسیة والایدیولوجیة على ھذا الواقع العربي المعقد جدا؟ ان الواقع العربي معقد ومركب ولیس بسیطا في تكوینھ السكاني والثقافي وفي مسارات تطوره الثقافي والاجتماعي وفي المؤثرات التي تعرض لھا، لذلك كانت النتیجة نشوء حركات انعكاسیة تختلف في اھدافھا وتتناقض في مسارتھا. وحینما نقول انعكاسیة نعني بذلك انھا نشأت كرد فعل على الاوضاع الفاسدة في الوطن العربي، سواء كان فسادھا ناجما عن الاستعمار او العفن الداخلي. فما ھي اھم التیارات والاحزاب التي ظھرت؟ ولماذا فشلت في التعبیر عن حاجات الامة العربیة الحقیقیة؟ ببساطة ان فشل كل تلك الاحزاب منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي والایطالي في المغرب وعن الاستعمار البریطاني في المشرق یعود الى ان تلك الاحزاب تعاملت مع الواقع العربي بنظرة ومنطلقات مناطقیة تجزیئیة وموضعیة وعجزت عن التعامل مع الواقع العربي بنظرة ومنطلقات شاملة تغطي كل مشاكل العرب الرئیسة وتضع لھا الحلول العملیة . كان الواقع العربي یتمیز اساسا بثلاثة میزات جوھریة، المیزة الاولى ھي التجزئة، فالعرب، بعد ان كانوا امة واحدة صنعت واحدة من اعظم حضارات العالم امتدت من اوربا الى الصین، تعرضوا لانھیارات متعاقبة وضعتھم فوق واقع انھم اصبحوا اقطارا متفرقة ومتخلفة، بینما الشعوب التي جاءت بعدھم الى مسرح العالم توحدت وتقدمت! فطرح اول ھدف للوطنیین والقومیین العرب منذ مطلع القرن العشرین وھو تحقیق الوحدة العربیة لیس فقط لاستعادة مجد مضى بل، قبل ھذا واھم من ھذا، لضمان مكان لائق للعرب في عالم لیس فیھ قیم سوى قیم الربح المادي وقانون الغاب، ومن ثم فان الصغیر والضعیف یتعرض حتما لطمع واعتداء الاقوى. اما المیزة الثانیة للوضع العربي فكانت الفقر والتخلف وما یترتب علیھما من نتائج سیئة في المجتمع. ان الفقر وكما ثبتت تجارب الواقع منذ بدء الخلیقة ھو المصدر الاساس للشرور في المجتمع الانساني، من كذب وفساد وامیة وتخلف وانحطاط قیمي وكفر وتحلل…الخ. وعرب ما بعد التحرر من السیطرة العثمانیة كانوا بغالبیتھم فقراء وھو وضع انتج كافة ابناءه الشرعیین من التخلف الى الانحطاط والجریمة والفساد. ولذلك كانت ھناك حاجة اساسیة للقضاء على الفقر بصفتھ الشرط المسبق والحاسم لتحقیق التقدم عبر أزالة الامیة وھي اخطر ابناء الفقر، ونشر العلم والتكنولوجیا. اما المیزة الثالثة فكانت الانحطاط الروحي وغربة الاسلام في وطنھ الاصلي الوطن العربي، ففي ظل الفقر والتجزئة وما نجم عنھما من امراض ضاعت القیم الروحیة او ضعفت مع انھا تشكل عماد شخصیة الانسان. وبالنسبة للعرب فان الاسلام قبل ان یكون دینا ھو الطاقة الحیویة الروحیة الاعظم التي تقرر ماھیة الانسان وموقعھ في الوجود. لذلك فان الفساد لا یعالج فقط بحل المشاكل المادیة فلابد من ھزة تربویة عظیمة واعادة بناء منظومة القیم الضابطة للانسان والحافظة لھ من شرور شیاطین المجتمع الانساني . اذا عولجت ھذه المشاكل الثلاثة یمكن بناء مجتمع عربي سلیم وقوي ومعافى یستطیع ان یبرز قوة كبرى فاعلة في المجتمع الانساني الكبیر. ماذا حصل؟ وكیف جاء الرد السیاسي والحزبي على ھذه المشاكل الرئیسیة الثلاث؟ لقد نشات احزاب منذ مطلع القرن العشرین لتعالج مشاكل الامة، فراینا احزابا قومیة تدعو للوحدة العربیة، لكننا اذا بحثنا في مضامین فكر ھذه الاحزاب القومیة سنجد انھا اخفقت في التعامل مع المشاكل الاجتماعیة كالفقر واختارت ان تناى بنفسھا عملیا عن التعامل مع المشاكل الاجتماعیة المعقدة وتركز ھمھا على تحقیق الوحدة العربیة، لھذا بقي ھناك نقص جوھري كان الفرد العربي حینما یفكر بمشاكل الامة یشعر بالحاجة لسده وھو فقر الاغلبیة الساحقة من العرب، وجاء الرد من الشیوعیة التي طرحت نفسھا كحزب ھدفھ الاساس القضاءعلى الفقر والفوراق الطبقیة في المجتمع، واستبشر من كان یرید للفقر ان یزول بذلك خیرا لكنھ اكتشف ان الاحزاب الشیوعیة، وان كانت تتحدث عن ازالة الفقر، الا انھا غریبة عن المجتمع العربي وقیمھ الروحیة والدینیة، فھذه الاحزاب ملحدة من جھة، وذلك انحراف خطیر بالنسبة للشعب العربي المؤمن لا یمكن تقبلھ، وھي من جھة ثانیة اممیة ترفض الوحدة العربیة وتقفز من فوقھا في دعوتھا للاممیة البرولیتاریة، اي وحدة الجزء الرث من الطبقات العاملة في العالم من مختلف الامم، لذلك فان المناضل العربي، الذي كان یتطلع لحزب یزیل الفقر لكنھ لا یزیل معھ الدین والروح والرابطة القومیة، اصیب بخیبة امل . وزاد رفض المناضل العربي لما یراه من احزاب وھو یتعامل مع احزاب قطریة حتى تلك التي تدعو للوحدة العربیة، فالاحزاب العربیة في مطلع القرن العشرین كانت قطریة التنظیم ولم یكن ھناك تنظیم واحد یغطي الوطن العربي بل كانت ھناك احزاب قومیة لا یربط بینھا رابط وان وجد فھو رابط تنسیقي لا یرقى لمستوى تشكیل اداة نضالیة عربیة واحدة وفعالة تشمل كل اقطار الوطن العربي. واخیرا انتبھ المناضل العربي الى نشوء احزاب دینیة التسمیة والھویة لكنھا تكفیریة، من جھة، لانھا ترى في كل من لا ینتمي الیھا كافرا، وھذا الموقف شكل صدمة انقسامیة بین صفوف الوطنیین العرب ، كما انھا كانت احزابا اممیة تھاجم القومیة العربیة وتتجاوز علیھا بالدعوة لوحدة اسلامیة دون المرور قبل ذلك بالوحدة العربیة، كما یفرض الواقع والمنطق من جھة ثانیة. والاھم ھو ان ھذه الاحزاب الدینیة لم تكن محصنة ضد الاختراق العربي الرسمي او الاجنبي، فبعضھا نشأ بقرار من انظمة عربیة ارادت مواجھة الشیوعیة والحركات القومیة، وبعضھا الاخر انشاتھ مخابرات بریطانیا لنفس الغرض، وھو محاربة الشیوعیة والحركات القومیة، لذلك كان نشوء اكثر الاحزاب الدینیة مقترنا بشنھا حربا شاملة ضد كافة القوى الوطنیة وتعاونھا مع انظمة كانت احد اھم اسباب تخلف العرب ومأسیھم. ان النزعة المعادیة للقومیة العربیة وللاشتراكیة لدى الاحزاب الدینیة ولدت فراغا كبیرا في مجال بروز حزب یجمع بین الاسلام والتسامح والاشتراكیة والقومیة . في ھذا المناخ ولد البعث كرد شامل وغیر جزئي على الوضع العربي الفاسد، فاراد ان یحل المشكلة الاكبر على المستویین الایدیولوجي والتنظیمي، وھي مشكلة احادیة تشكل كل الاحزاب التي كانت قائمة قبلھ وتمثیلھا لجانب واحد فقط من الجوانب المركبة لازمة ومشاكل الامة العربیة. فالبعث جمع الصفات الثلاثة الضروریة للامة فیھ، فھو اولا حزب قومي یتمیز بان لھ تنظیم یشمل كل الوطن العربي ویعد الوحدة العربیة شرطا لا غنى عنھ لصعود العرب وتقدمھم وحصانتھم في عالم لا یعیش فیھ الا القوي، وھو ثانیا حزب یؤمن بالله والاسلام بصفتھ روح القومیة العربیة وبدونھ لا توجد قومیة تحرریة، وھو ثالثا حزب اشتراكي یرید ازالة الفقر والامیة والامراض المزمنة بصفتھا مصدر الشرور الاساسیة في المجتمع. بھذه الھویة الفریدة المركبة من عدة سمات عبر البعث عن ھموم الامة اصدق تعبیر ولخص ھویتھا، وبھا تمیز عن كل الحركات والاحزاب العربیة. ولكن ھناك سؤالین مھمین جدا وھو : كیف یفھم البعث القومیة والحریة والاسلام والاشتراكیة؟ وھل فھمھ مشابھ لفھم الاخرین لھا؟

– المفھوم البعثي للقومیة

في الاربعینیات من القرن العشرین تبلورت تولیفة جدیدة من الافكار والاتجاھات التي لم تعد القوالب القدیمة تستوعبھا، ومن بین اعظم مظاھر التولیفة الجدیدة بلورة مفھوم تقدمي وانساني للقومیة العربیة، فبعد ان كانت ھذه القومیة، في نظر من كتب عنھا، تمجیدا للجنس العربي وانغماس في مھاترات مع ابناء القومیات الاخرى وتركیز على الجنس والنسب الاصیل… الخ راینا نظرة قومیة منفتحة وذات طابع انساني عمادھا تجسید الشخصیة القومیة للامة العربیة على اسس ثقافیة وسایكولوجیة وتاریخیة ومصلحیة ولیس عرقیة. لقد اعلن البعث بولادتھ الرسمیة في عام 1947 بانھ حزب قومي لكن قومیتھ لیست عرقیة بل ثقافیة وتاریخیة بمعنى انھا لیست انتسابا عرقیا للعرب القدماء بل ھي انتسابا اختیاریا تقرره مقومات ثقافیة واجتماعیة وتاریخیة . وكان تعریف العربي ھو افضل تعبیر عن ھذه النظرة القومیة غیر العرقیة، اذ ا دستور الحزب عرف العربي بان كل من تكلم العربیة وقبل الانتماء الى الامة العربیة واخلص لھا فھو عربي بغض النظر عن اصلھ العرقي. وھذا التعریف للعربي مستمد مباشرة من التعریف المحمدي النبوي للعربي، حیث قال النبي العربي الكریم (لیست العربیة في احدكم بامھ وابیھ بل بلسانھ فمن تحدث العربیة فھو عربي). وبطبیعة الحال فان التحدث بالعربیة لیس وحده ما یمنح العروبة بل ھناك متطلبات اخرى وھي حب العرب والاخلاص لھم وتركز الولاء للعروبة، والا فان المترجم الیھودي والانكلیزي والروسي یتحدث العربیة لكنھ لیس عربیا لان ولاءه لاصلھ او لامتھ. وبھذا التعریف حسم البعث مسالة من ھوالعربي وسمح ذلك بتاكید ان الامة العربیة من موریتانیا الى عمان ھي لیست مفھوما عرقیا بل مفھوما ثقافیا تاریخیا، بمعنى ان العربي اكتسب عروبتھ بتثقفھ بثقافة العرب واخلاقھم وسایكولوجیتھم وقطعھ لصلة الولاء باصلھ واقتصاره على الامة العربیة. ولكن ھذه العروبة لا تختمر او تتبلور عند الانسان الذي اختارھا لانھا تحتاج لزمن طویل تجري فیھ عملیات تفاعل خلاق بین مكونات ھذا الانسان السایكولوجیة والثقافیة والاقتصادیة تكون نتیجتھا صھره في بوتقة العروبة وقطعھ لصلاتھ القدیمة كلیا، او تعاملھ معھا على اساس انھا تاریخ انقضى واصبح مجرد ذكریات، او اصول یعتز بھا لانھا اصلھ . ان تفاعل التكون النفسي مع عملیة الاندماج التاریخیة ثقافیا ونفسیا واقتصادیا تستغرق زمنا لیس بالقصیر، وھنا تظھر اھمیة التاریخ في خلق الانسان العربي، فبدون التاریخ بصفتھ الرحم الذي تنمو فیھ عروبة الانسان والقابلة التي تولده صحیحا وسلیما لا یمكن تصور وجود عروبة سلیمة. ان ما یوجد في المجتمع العربي من مكونات ثقافیة ونفسیة واقتصادیة وبیئة جغرافیة وارث دیني یشكل المصدر الاساس لبناء الشخصیة العربیة. من ھنا نرى ان عربیة الانسان تعني اول ما تعني انھ تشرب بثقافة الامة بكافة مكوناتھا خصوصا الاسلام بصفتھ الطاقة الروحیة الجبارة التي تضع الانسان على الطریق الصحیح قیمیا وانسانیا . وانطلاقا من ھذا الفھم نستطیع ان نفھم حقیقة الدعوة القومیة للوحدة العربیة، فھي لیست نتاج میل للاستقواء بالكم العربي على الاخرین بل ھي حاجة تفرضھا الھویة المشتركة لكل عربي من المحیط الاطلسي الى الخلیج العربي، فالانسان بطبیعتھ الفطریة منجذب تلقائیا لمحیطة وابناء محیطھ، وكل مجتمع یبنى على اساس القسمات المشتركة بین افراده والتي تتشكل منھا جماعة متمیزة عن غیرھا لیس عرقیا بل ثقافیا وسایكولوجیا ولغویا. ان الانسان مخلوق اجتماعي وصفتھ ھذه تجعلھ لا یستطیع العیش الا ضمن جماعة، ولذلك یختار تلقائیا الاقتران بعائلتھ النوویة (اي الاصغر) ثم بعائلتھ الاوسع، ثم بعشیرتھ ثم بقبیلتھ واخیرا بوطنھ الذي ھو مجموع القبائل المتشكلة ھرمیا، لكنھ مجموع وان كان یعبر عن مكوناتھ الا انھ تطور نوعي ارقى من القبیلة او الاسرة او العشیرة او المنطقة، لانھ حصیلة اندماج تطوري بطئ انتج مجتمعا صلتھ الاقوى ھي الصلة الوطنیة والقومیة ولیس العشائریة او الاسریة . في كل مجتمع انساني، بل حتى في الكثیر من المجتمعات الحیوانیة، توجد حلقات متدرجة من الصلات تبدا بالحلقة الاصغر وھي العائلة النوویة وتكبر تدریجیا لتصل الى حلقة الامة، والتي یبدو ان اوضح رابط بین ابناءھا ھو اللغة المشتركة. ان اللغة تختزن ثقافة الامة وتشكل الاداة الرئیسیة للتفاھم بین ابناءھا ولھدا فھي المیسم الابرز في تشكل الامة وتمیزھا عن غیرھا. وحینما یختار الانسان بصفتھ عضوا في جماعة متكونة ان یعبر عن ذاتھ فانھ یدرك انھ بحاجة للاتحاد مع بقیة ابناء امتھ الناطقین بلغتھ والناشئین في مناخھ السایكولوجي والثقافي منذ مئات السنین وربما الاف السنین كالعرب. وبھذا المعنى فان القومیة بالنسبة للبعث ھي وجود اجتماعي – ثقافي لمجموعة من البشر تربطھم لغة مشتركة ومصالح مشتركة وتقالید مشتركة وارض مشتركة، تعبر عن اندیاح الصلات لانسانیة كما تنداح موجات المیاه حینما تلقي حجرا في بركة ماء فتتكون اولا حلقة صغیرة ثم اكبر فاكبر، والامة ھي الحلقة الاكبر في درجات اندیاح حركة المجتمع الانساني، وھي لذلك تحتوي الحلقات الاصغر والاقدم منھا وتصھرھا في بوتقتھا وتحولھا الى عنصر مندمج في ثقافة الامة وسایكولوجیتھا المتبلورة .

في عالم لا یمكن للانسان ان یعیش فیھ الا اذا كانت لھ ھویة ممیزة تقررھا لغتھ بصفھا المظھر الاول الذي یتعامل معھ الانسان، فانت حینما ترى انسانا لا تعرفھ تبدا بالتعرف الیھ من خلال لغتھ ثم تتعرف على ثقافتھ وتقالیده وسایكولوجیتھ. وھذه الحقیقة الواقعیة تثبت ان الانسان منقسم سواء اردنا ذلك ام رفضناه الى امم وثقافات مختلفة، الرابط الاساس بینھا ھو انھا جمیعا تنتمي الى المخلوق الانساني وان الاختلافات في اللون او الثقافة لاتعبر عن تباین في قیمة الانسان المطلق لان اصلھ واحد وقدراتھ الكامنة واحدة من حیث الجوھر، ومن ثم فان كل انسان مساو للانسان الاخر من حیث القیمة والاحترام والذكاء، وما یظھر من اختلافات في الذكاء مثلا لیس نتیجة للاصول العرقیة بل للوضع الاقتصادي والاجتماعي والفرص التي تتاح للانسان كي یفجر طاقاتھ الابداعیة. لھذا فان البعث تعامل مع القومیة على اساس انھا الحلقة الاساسیة في عالم توجد فیھ امم وقومیات مختلفة، نشب بینھا صراع او قامت بینھا صداقة، لكنھا كلھا تنتمي لجنس واحد ھو الجنس البشري، وھذا الانتماء یفرض على الانسان ان یقیم علاقات اممیة مستندة على فكرة المساواة والتعاون الجاد من اجل الانسان كل انسان وحریتھ واحترام ادمیتھ . اذن القومیة بالنسبة للبعث تتشكل من عدة عناصر، العنصر الاول انھا ھویة وجودیة تمیز قوما ما عن غیرھم ثقافیا ولیس عرقیا، والعنصر الثاني ھو ان الجماعة ذات الھویة الواحدة من حقھا ان تتوحد اذا كانت مجزءة، لان العالم یمر بمرحلة من تطور البشر تتمیز ببروز وحشي للانانیة والاعتداء نتیجة نظم الانتاج الاستغلالیة كالنظام الراسمالي، والعنصر الثالث ھو ان القومیة العربیة لیست مفھوما عرقیا بل تاریخیا وثقافیا، ولذلك تجد بین العرب من ھو اسمر ومن ھو ابیض ومن ھو اسود، والعنصر الرابع ھو ان القومیة العربیة لیست استثناء في عالمنا من حیث الحق في التوحد القومي، لان اغلب الامم توحدت وبقي العرب وحدھم من بین الامم الكبیرة مجزءین مع ان العالم الحالي ھو عالم الكتل الكبیرة، كما وصفھ التقریر العقائدي (او المنطلقات النظریة) الذي صدر عن المؤتمر القومي السادس للحزب عام . 1963 وفي عالم الكتل الكبیرة تاكل الحیتان الكبیرة الاسماك الصغیرة لذلك لابد من الوحدة العربیة لمواجھة محاولات الافتراس التي تتعرض لھا الامة العربیة من قبل اطراف عدیدة اقلیمیة ودولیة. ومااغتصاب فلسطین، من قبل الصھیوینة، والاحواز (تضم ثمانیة ملایین عربي ومنطقة النفط والمیاه)، من قبل ایران، والاسكندرون، من قبل تركیا، الا امثلة واضحة لاضرار التجزئة في الوطن العربي، فلو كان العرب امة موحدة تتالف من اكثر من مائة ملیون عربي، عند اغتصاب فلسطین والاحواز والاسكندرون، لما استطاع الاستعمار والصھیوینة وایران وتركیا اغتصابھا، ولولا تناثر العرب لما نجحت امریكا وایران في احتلال العراق وتدمیره مع انھم الان اكثر من ٣٠٠ ملیون انسان .

الوحدة العربیة بھذا المعنى لیست مفھوما عرقیا ولا ھي حركة عدوانیة وتوسعیة بل ھي حركة دفاعیة في عالم تسوده القوة ومنطقھا الظالم، لذلك فان اول واھم میكانیزم دفاعي قومي عربي ھو اقامة الوحدة العربیة. كما ان عالم الیوم ھو عالم التكامل بین اجزاءه المكونة فاذا كانت الامم الكبیرة الموحدة تبحث عن الاندماج مع غیرھا، كالامم الاوربیة التي اتحدت رغم انھا تتشكل من قومیات مختلفة ولیس من قومیة واحدة كالعرب، فھل یجوز ان لا یعمل العرب على تحقیق وحدتھم من اجل تامین متطلبات التنمیة والسوق القومي الواسع والاستثمار الامثل للموارد العربیة المتنوعة والمتكاملة، مع انھم شعب واحد وینتمون لقومیة واحدة؟ ما معنى ھذا الشرح من زاویة خصوصیة القومیة العربیة؟ ان ما قلناه عن القومیة العربیة یطرح امامنا حقیقة جوھریة یجب ان لا تنسى عند فھم القومیة العربیة وھي ان ھناك نوعین من القومیات، النوع الاول قومیات وظیفیة والنوع الثاني قومیات ھویة، فالقومیات الاوربیة ھي التي تجسد القومیات الوظیفیة، لانھا تبلورت وظھرت للقیام بوظیفة اقتصادیة اجتماعیة وھي توفیر اطار لغوي قومي للتوسع الراسالمي. ان الراسمالیة التي نشات في احضان الاقطاع الاوربي، والذي قام على التشتت الاجتماعي على شكل اقطاعیات متنافسة متصارعة ومنعزلة، رغم وجود عامل التوحید اللغوي، رات، اي الراسمالیة، في رحمھا الذي نشأت فیھ وھو الاقطاع عائقا امام توسعھا الراسمالي وامام الانتقال من الانتاج البضاعي الصغیر ثم من راس المال التجاري المحدود النشاط، الى راس المال الصناعي الذي كان بحاجة لسوق اكبر من السوق التناثري المجزء الذي اوجده الاقطاع، فجاءت الدعوة القومیة لتوحید الاقطاعیات المتناثرة في اوربا في دولة واحدة في كل جماعة لغویة خاصة، اداة لضمان انطلاق التوسع الراسمالي لیشمل ارضا ومجتمعا كبیرین وواسعیة یمكن فیھما ترویج السلع الصناعیة، وطمر مرحلة الانتاج البضاعي الصغیر في المشاغل البیتیة والتخلص من ضیق راس المال التجاري . استنادا لھذه الحقیقة الاقتصادیة كان ظھور القومیات الاوربیة كالفرنسیة والبریطانیة والالمانیة، عبارة عن استجابة قاھرة لاھم قوانین النظام الراسمالي الصاعد : السوق الكبیر. لقد ولدت اللغات الاوربیة الحالیة اما من اللاتینیة او الجرمانیة او السلافیة لتنھي مرحلة الغموض اللغوي وھو عامل مرافق للاقطاع، لان المطلوب كان تحدید ھویة بدائیة خاصة وظیفیة مھمتھا ھي تحشید الناس المنتمین للھجة ما خلف زعیم ما لاجل السیطرة على السوق في اكبر رقعة جغرافیة ممكنة وھي الرقعة المتشابھة لغویا. ان اللغة التي سبقت نشوء الامة ومھدت لھ لم تكن تكفي وحدھا لقیام الامة ما دام العامل التجمیعي والانصھاري لم یظھر بعد وھو الحافز الاقتصادي. لذلك وبتوفر البیئة المناسبة لتجاوز الاقطاع ظھرت الحاجة للقومیة في اوربا. لقد طغت الوظیفة الراسمالیة على تلك القومیات وتنحت الھویة الثقافیة وخضعت للھویة الوظیفیة، وھذا ما یفسر فقر الفكر القومي الاوربي وضعف منطقھ واعتماده اساسا على القوة لتحقیق اھدافھ التوسعیة، وما حروب اوربا الدمویة بین ابناء القومیة الواحدة وبین القومیات المختلفة الا تعبیر عن افتقار الفكر الاوربي الى الھویة الثقافیة المزدھرة والناضجة. اما قومیات الھویة فھي لم تكن نتاج نشوء النظام الراسمالي ولا اي نظام اقتصادي اخر بل كانت نتاج تطور تاریخي طویل انتج میاسم مشتركة بین كتل سكانیة ھائلة ومیزھا بلغة وثقافة خاصة كانت من القوة بحیث ولدت حروب تغییر الھویة في الجانب الاخر. ان العرب والفرس والصینیین ھم امثلة حیة لھذا النوع من قومیات الھویة، والتي تخضع فیھا العوامل الاقتصادیة وتطورھا للعامل الثقافي القومي. ان قومیات الھویة نشات منذ الاف السنین ولیس منذ مئات السنین كما كان حال اوربا، ففي حین كانت اوربا تشھد مرحلة الحیاة السابقة للاقطاع كان العرب والفرس والصینیون اصحاب حضارات كبرى وابداعات ثقافیة عظیمة. وكان العامل الطاغي في ذلك النشوء ھو الثقافة المشتركة ولیس التطور الاقتصادي، فلم تكن ھناك راسمالیة ولا اقطاع كلاسیكي وانما كانت ھناك انظمة ھي مزیج من الاستبداد الاقطاعي والعبودیة وغیرھا دون اقترانھا بنمط انتاجي محدد، وھذه الحقیقة تنقض التنظیرات التي قدمھا ماركس او انجلز عما یسمى ب(الاستبداد الشرقي) او (نمط الانتاج الاسیوي) والتي بنیت على قاعدة معلومات سطحیة وعابرة، على العكس من قراءتھما لواقع اوربا والتي كانت عمیقة وثریة جدا . في قومیات الھویة تمتزج قوانین مراحل تاریخیة مختلفة وتتداخل حتى ان المحلل والمؤرخ یحیر في تفسیر الواقع وفق قاعدة تحلیل متماسكة ویبقى اي تحلیل ناقصا الا اذا عالج حالة محددة بذاتھا وھو ما یؤدي الى الغرق في خیار تجزیئي لمشاكل شعوب قومیات الھویة. ولكن اھم ما في قومیات الھویة ھي انھا نتاج تطور طویل استغرق الاف السنین كانت نتیجتھ ھویة قومیة تتوسط الجوھر منھا ثقافة وطنیة خاص وقویة وراسخة الى حد انھا توصل احیانا الى التعصب القومي واستھداف ھویة الاخر سواء بالحروب او النزعة الاستعلائیة. وفي ھذه القومیات تتنحى العوامل الاقتصادیة وتسود العوامل الثقافیة المعبرة عن ھویة خاصة. ان القومیة الفارسیة مثال ممتاز لھذه الحالة من التشبث بالھویة وتغلیبھا على رابطة طرات فیما بعد على الھویة القومیة، وھي رابطة الاسلام، فبالرغم من اعتناق بلاد فارس للاسلام الا ان الھویة القومیة الفارسیة بقیت ھي المحرك الاساس للنخب القومیة الفارسیة في تعاملھا مع (اشقاءھم) في الاسلام العرب، وكانت نزعة الانتقام من العرب والتطرف في العمل لاقامة امبراطوریة فارسیة اقوى من رابطة الاسلام، لذلك شھدت العلاقات العراقیة الفارسیة حروبا بعد ظھور الاسلام اشرس من الحروب التي وقعت في المنطقة قبلھ .

اما العرب فانھم، وبالاضافة لتشربھم برسالة الاسلام التي حدت من التعصب القومي وعدتھ من اثار الجاھلیة، فانھم تبنوا مفھوما للقومیة حدده النبي الكریم بتعریفھ التطبعي للعربي، فازال عنصر الاستعلاء من الفكر القومي العربي وجعلھ فكرا یعبر عن انتماء ثقافي، سمح للعروبة ان تخرج من جزیرة العرب وتصل الى المغرب العربي وتدمج في بوتقتھا اجناسا شتى دون تمییز او تعصب لعرق ما، بعكس القومیة الفارسیة التي كانت، وبسبب تعصبھا القومي ونزعة الاستعلاء لدیھا، عاجزة عن التوسع بقبول ھویتھا من قبل الاقوام الاخرى والاندماج بھا، فلجات الى الحروب والدسائس للتوسع، وفي مقدمة الدسائس فبركة ھویة طائفیة بین المسلمین استخدمتھا وتستخدمھا لاختراق حصون العرب وتمزیقھم، فصاغ مفكروھا منظومة طائفیة لا صلة لھا بالاسلام بل ھي نتاج فكر قومي فارسي، یتمثل في تمجید تراث ما قبل الاسلام بما في ذلك القیم والتقالید الزرادشتیة. ان النزعة التامریة الفارسیة بعد الاسلام لیست سوى تعبیر اصیل عن تجذر الرابطة القومیة الفارسیة، وتحكمھا في النخب الفارسیة وكان ابرز مظاھرھا التاریخیة، اضافة لفركة الطائفیة داخل الاسلام، عملھا وفقا لخطط طویلة المدى لتدمیر الھویة العربیة واختراق الانسان العربي .

ھذه الحقیقة التاریخیة ھي التي استخدمھا بعض المنتمین لتیارات الاسلام السیاسي لاتھام القومیة العربیة بتھمتین خاطئتین، التھمة الاولى وصفھا بانھا تعصب جاھلي، والثانیة القول بانھا متأثرة بالقومیات الاوربیة، وفي كلا الاتھامین نجد الخطأ واضحا وفاضحا، فالتعصب القومي في القومیة العربیة غیر موجود لان المكون الجوھري لھا، وھو الاسلام كما سنوضح، یمنع التمییز بین البشر بشكل عام وبین المسلمین بشكل خاص على اسس العرق واللغة. صحیح ان ھناك نزعات تعصب قومیة عربیة تظھر في فترات محددة تقف في مواجھة تعصب قومي اخر، لكنھا رد فعل اني ولیست فعلا اصلیا ودائما. والمثال ھو الموقف من الدولة العثمانیة حیث ساھم العرب في بناءھا على اساس انھا دولة اسلامیة لكنھم انقلبوا علیھا حینما بدأت تمارس سیاسة التتریك وتذویب ھویة العرب. كما ان العرب وقفوا ضد النخب الشوفینیة الفارسیة اثناء قیام الدولة العباسیة لانھا تعمدت شتم العرب، بل انھا كانت تسیطر على البیئة الثقافیة والسیاسیة في بغداد العباسیة بعد ان وصلت الى مركز الخلافة بالزواج والاموال وغیرھا، فاضطر الكتاب العرب للرد على شتائم الكتاب الفرس ومعاداتھم للعرب مثلما فعل الجاحظ. في ھذین المثالین فان حالات التعصب القومي العربي ضد الاتراك والفرس كانت نتیجة طبیعیة، وان كانت خاطئة، لعمل مسبق وسابق ولم یصدر من مبادرة عربیة ابدا .لذلك فان من یصف القومیة بالجاھلیة علیھ ان یدرس تاریخ الاسلام وما جرى فیھ لانھ سیكتشف ان العرب تمسكوا بقومیتھم ولكن مع التمسك التام بثقافة الاسلام المتجاوزة لثقافة الجاھلیة، وان من خرق ثقافة الاسلام ھي النخب الفارسیة والتركیة. اما اتھام القومیة العربیة بانھا متأثرة بالقومیات الاوربیة، او انھا نشات بعد بروز القومیات الاوربیة، فھو اتھام یدل على الجھل بالتاریخ وھو جھل محزن تماما، لان القومیة العربیة كما وضحنا نشات قبل الاف السنین في جزیرة العرب والیمن ومنھما توسعت مع الھجرات التي فرضتھا ظاھرة التصحر التي اجتاحت الجزیرة العربیة بعد انقضاء العصر الجلیدي الاخیر. وفي فترة نشوء القومیة العربیة كظاھرة لغویة وثقافة صحراویة جمعت القبائل العربیة كان الاوربیون عبارة عن مخلوقات تعیش فوق اغصان الاشجار، وتقتصر لغتھا على كلمات قلیلة وھمھمات كثیرة، مصحوبة باشارات یدویة وجسدیة اكثر . وفي ضوء ما تقدم فان القومیة الوظیفیة، كما في اوربا، اخذت تضمر وتضعف ثقافتھا وتحل محلھا ثقافة الضیاع والعولمة وتبدیل الھویة بسھولة، والسبب ھو ان الوظیفة التي من اجلھا نفخت القومیات الاوربیة قد تراجعت بعد تحول الراسمالیة الى ظاھرة كونیة وتجاوزھا لحدود الامة، خضوعا لقوانین النظام الراسمالي ایضا. فالذي انتج القومیات الاوربیة ھو نفسھ الذي قرر سحبھا من التداول في السوق واحل محلھا العولمة، بصفتھا الغطاء الجدید لتوسع السوق وممارسة عبادة الدولار. ولكن قومیات الھویة ذات الاعمار الالفیة ما زالت ارسخ من اي نظام اقتصادي او ظاھرة اجتماعیة، فالصین مثلا ورغم اعتناقھا للشیوعیة ذات الجوھر الاممي تغلبت فیھا الرابطة القومیة على الرابطة الاممیة، ولم تستطع كل قوانین الشیوعیة والاممیة وكل الحملات الثقافیة ان تمحو الھویة القومیة الصینیة، وھذا الحال نجده كذلك في الاجزاء المقتطعة من الصین (تایوان مثلا)، فبالبرغم من مرور اكثر من مائة عام على فصل بعضھا وخمسون عام على بعضھا الاخر نجدھا محافظة على ھویتھا القومیة الصینیة وتتطلع للعودة الى الوطن الام رغم وجود التناقض الجذري بین النظام الاقتصادي الاجتماعي الصیني والاخر الموجود في الاجزاء المقتطعة . وھذا الحال ینطبق على ایران، فھي بالرغم من دخولھا الاسلام فانھا ما زالت متمسكة بھویتھا القومیة وعلى نحو متطرف جعلھا تبتكر طرقا مموھة لفرض المصلحة القومیة الفارسیة على العرب المجاورین، من خلال اكبر فتنة صنعتھا وھي التشیع الصفوي الذي حول الخلاف السیاسي حول الخلافة في بلاد العرب الى مذھب جدید ثم دین جدید. كما ان الدستور الایراني لما یسمى (جمھوریة ایران الاسلامیة) ھو من حیث الجوھر دستور قومي دون ادنى شك لانھ یؤكد مرارا وتكرار على مصالح ایران بصفتھا ھي المقرر للسیاسات الایرانیة. اما الامة العربیة فانھا ورغم المؤامرت التي نفذت وتنفذ ضدھا كسلب فلسطین ومحاولة تھویدھا فانھا لم تضعف ولم تتراجع ونجد الشعب العربي بشكل عام والشعب الفلسطیني بشكل خاص یتمسك بقوة بحقوقھ وھویتھ لدرجة ان المشروع الصھیوني وبعد نصف قرن على تاسیسھ في فلسطین یواجھ اكبر تحد الان، لان العرب متمسكون بھویتھم التي افشلت كل محاولات التھوید والصھینة. ولو ان ھذا الذي یواجھھ العرب من تحدیات ونكبات تعرض لھ شعب اوربي لما صمد ولتمزقت ھویتھ لانھا ھویة سطحیة. ان على من یتعاملون مع القومیة العربیة ان یدرسوا التاریخ اولا لا ان یسمعوا قصصا اسطوریة نسجتھا السن تمتھن حرفة تردید ما یسمع من الاخرین دون التدقیق والتمحیص مباشرة .

– المفھوم البعثي للحریة

بخلاف ما سیدتھ حملة شیطنة البعث، التي تشنھا الاجھزة الغربیة والصھیوینة والایرانیة وتوابعھا العرب، فان البعث قد حدد للحریة مسارا رئیسیا داخل صفوفھ وفي المجتمع حول الحریة. یقول دستور الحزب في (المبدإ الثاني) ما یلي : (ولھذا فان حزب البعث العربي الاشتراكي یعتبر : ١ – حریة الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا یمكن لاي سلطة ان تنتقصھا). وفي فصل (مبادئ عامة)، في الفقرة ٥ یرد ما یلي : (حزب (البعث العربي الاشتراكي) شعبي یؤمن بان السیادة ھي ملك الشعب وانھ وحده مصدر كل سلطة وقیادة، وان قیمة الدولة ناجمة عن انبثاقھا عن ارادة الجماھیر، كما ان قدسیتھا متوقفة على مدى حریتھم في اختیارھا). وفي فصل (المنھاج سیاسة الحزب الداخلیة) نقرأ ما یلي : (المادة ١٤ – نظام الحكم في الدولة العربیة ھو نظام نیابي دستوري والسلطة التنفیذیة مسؤولة امام السلطة التشریعیة التي ینتخبھا الشعب مباشرة .(. وفي المادة ١٧ من نفس الفصل نقرأ ما یلي : (یعمل الحزب على تعمیم الروح الشعبیة (حكم الشعب) وجعلھا حقیقة حیة في الحیاة الفردیة، ویسعى الى وضع دستور للدولة یكفل للمواطنین العرب المساواة المطلقة امام القانون والتعبیر بملء الحریة عن ارادتھم واختیار ممثلیھم اختیارا صادقا ویھیئ لھم بذلك حیاة حرة ضمن نطاق القوانین.) وفي فصل (سیاسة الحزب الاجتماعیة) نقرأ في البند الخامس ما یلي) : تالیف نقابات حرة للعمال والفلاحین وتشجیعھا لتصبح أداة صالحة للدفاع عن حقوقھم ورفع مستواھم وتعھد كفاءاتھم وزیادة الفرص الممنوحة لھم، وخلق روح التضامن بینھم وتمثیلھم في محاكم العمل العلیا .( وفي المادة ٤٢ من نفس الفصل، نقرأ في البند الثاني ما یلي : (الدولة مسؤولة عن صیانة حریة القول والنشر والاجتماع والاحتجاج والصحافة، في حدود المصلحة العربیة العلیا، وتقدیم كل الوسائل والامكانیات التي تحقق ھذه الحریة.). وفي البند الثالث نقرأ ما یلي : (العمل الفكري من اقدس انواع العمل وعلى الدولة ان تحمي المفكرین والعلماء وتشجیعھم.). وفي البند الرابع نقرأ ما یلي : (فسح المجال، في حدود الفكرة القومیة العربیة، لتأسیس النوادي وتألیف الجمعیات والاحزاب ومنظمات الشباب ومؤسسات السیاحة والاستفادة من السینما والاذاعة والتلفزة وكل وسائل المدنیة الحدیثة في تعمیم الثقافة القومیة وترقیة الشعب.(. ما معنى ھذا؟ اولا یجب ان نلفت الانتباه الى مؤشر مھم جدا وھو ان دستور الحزب لم یستخدم عمدا كلمة (دیمقراطیة) ابدا واستعاض عنھا بتعبیر اوسع واعمق وھو (الشعبیة)، لان الشعبیة تتجاوز حدود الدیمقراطیة بكثیر. اما بخصوص ما اوردناه من نصوص فلا حاجة لشرح ما عرضناه لانھ واضح، وكل ما یجب فعلھ ھو تثبیت حقیقة اساسیة وھي البعث، في اصولھ التكوینیة، حركة انسانیة تقدس حریة الانسان بل ان موقف البعث یصل حد اللیبرالیة كما راینا. وھذا التقدیس لحریة الانسان لا یقتصر كما في اللیبرالیة على حریة التعبیر والحریات الفردیة بل ھو یشمل الاھم وھو حق الحیاة الحرة الكریمة المتحررة من العوز المادي والروحي. من ھنا فان المفھوم البعثي للحریة والدیمقراطیة عتیق وتضرب جذوره في اصول البعث التكوینیة، وھو لذلك مقوم ثابت لا یمكن تغییره، حتى لو شھدت التجارب العملیة ابتعادا عنھ، جزئیا او كلیا، احیانا لاسباب قاھرة، في مقدمتھا ان خصوم ومنافسي واعداء البعث في الداخل والخارج قد فرضوا فرضا حالة الطوارئ والاحتراب والازمة مما سمح ببروز رد فعل طوارئ ایضا. ان حالة الطوارئ الناجمة عن التحدي الخطیر لا تمحي الھویة الجوھریة للحركة التاریخیة بل تؤخرھا وتحجمھا وتعطلھا ولكن الى حین، بعدھا یفرض الاصل نفسھ وتتجدد الحیاة الحرة والتفكیر الحر وتقدیس حریة التعبیر داخل الحزب وخارجھ، لان الحریة قضیة واحدة وتفسد حینما تجزء الى حریة داخلیة وخارجیة . المفھوم البعثي للاسلام : اسلام بلا طوائف لئن كنا نواجھ منذ الاربعینیات جدلا مع التیارات الدینیة السیاسیة حول الاسلام ودوره في المجتمع، وادى ذلك الى مشاحنات وصراعات غیر مبررة بین التیار القومي والتیارات الاسلامیة السیاسیة، فان مرحلة ما بعد غزو العراق قد اثبتت، واقعیا وعملیا، ان مفھوم البعث للاسلام كان ھو الصحیح وان الاخرین لدیھم مفاھیم اما ملتبسة او ضارة ومدمرة. كیف فھم البعث الاسلام؟ وما معنى العلمانیة في الفكر البعثي؟ ھل ھي نفس العلمانیة الغربیة؟ ام انھا الیة احترازیة لمنع استغلال الدین في السیاسة لان في ذلك اضرار فادحة كما اثبتت تجربة العراق في ظل الاحتلال؟ بدایة البعث كانت الموقف الخالد للبعث : (كان محمدا كل العرب فلیكن الیوم كل العرب محمدا). من قال ھذا الكلام البلیغ والدقیق دقة لا مثیل لھا في التعبیر عن فكرة في كل الكتب الارضیة؟ من قالھ لم یكن منظر اسلاموي ولا فقیھ ولا صانع فتاوى دینیة بل قالھ مناضل عربي مسیحي ھو المرحوم القائد المؤسس للبعث احمد میشیل عفلق .كیف نجح مسیحي عربي في تحدید الصلة الاعمق والادوم بین الشعب العربي ونبیھ الكریم؟ ولماذا لم یلھم الله وھو قادر على ذلك مفكرا ومفتیا مسلما لطرح ھذه المعادلة التي لا تلخیص لصلة العربي بنبیھ او بالاسلام ادق واعظم وافصح منھا؟ لقد طرحت في دراستي) الصلیبیة الجدیدة) الجواب على ھذه الاسئلة وغیرھا، ولاھمیة ودقة الموضوع ساعید طرح الاجوبة لان لھا مساسا مباشرا وجوھریا باوضاعنا الحالیة. ان الاسلام ھو مزیج خلاق وطبیعي من الجانب الایجابي من ثقافة وتقالید العرب قبل الجاھلیة وبین تعالیم ربانیة مقدسة، فالدین اي دین لا یمكن ان ینشأ ویتوسع الا اذا فھمتھ طلائع من ھذه البیئة وتبنتھ مرشدا لھا. لذلك فان النبي والصحابة كانوا ھم الطلیعة التي استوعبت الاسلام وحملتھ رسالة لھا دون ان تشعر بالغربة او انھا تدخل بیئة غریبة عنھا. نعم كانت في الجاھلیة تقالید وثقافة سلبیة جاء الاسلام للقضاء علیھا، ولكن بنفس الوقت كانت ھناك ایجابیات في مجتمع الجزیرة، وفي مقدمتھا ثقافة التوحید والقیم التضامنیة في القبیلة وھي قیم انسانیة راقیة تتمثل في الكرامة والكرم والتسامح واحترام الاخر والشورى القبلیة، واللغة العربیة التي كانت وما زالت التي تشكل عالما كبیرا قائما بذاتھ، سحریا بموسیقاه ومضامینھ الثریة ومعانیھ الشاملة الخالدة وفنونھ كالشعر، دیوان العرب وحافظ تاریخھم وجھاز اعلامھم الاول…الخ. لقد جاءت الرسالة السماویة لتغلیب ھذه القیم وھذه الثقافة واكمالھا ودمجھا باخر وارقى صور ثقافة التوحید وھي الاسلام. من ھنا فان الاسلام لم یكن دینا فحسب بل كان قبل ذلك ثقافة وقیم منتشرة في جزیرة العرب واطرافھا في بلاد ما بین النھرین وبلاد الشام ومصر. وكان من مفاخر العرب ان العربي المسیحي كان یقف مع العربي الاخر غیر المسیحي ضد غزوات الاجانب كالفرس والرومان قبل الاسلام، وبعد الاسلام وقف المسیحي العربي ضد الصلیبیین وغیرھم، منطلقا من انتماء الجمیع، مسلمین ومسیحیین، لثقافة قومیة سائدة بین القبائل العربیة المختلفة الدیانة. ومن الحقائق ذات الدلالات العمیقة ان بعض المسلمین، كالعلقمي، قد تعاونوا مع الصلیبیین والتتار لتدمیر الدولة العربیة الاسلامیة خدمة لبلاد فارس! فما الذي یجعل المسیحي العربي ینتخي للمسلم العربي، في حین ان المسلم الصفوي یغدر بالمسلم الاخر ویتعاون مع اعداء الاسلام؟ أنھ الثقافة القومیة العربیة والوعي القومي العربي ھو الذي جعل المسیحي العربي یقف مع المسلم العربي ضد غزوات تبرقعت باسم المسیحیة. كما ان الثقافة القومیة الفارسیة – الطائفیة للصفویین العرب، او ذوي الاصول الفارسیة، ھي التي جعلتھم ینحازون لاعداء المسلمین من اجل تدمیر ملك العرب وخلافتھم للتمھید لامبراطوریة بني فارس! ھذه ما حصل بالامس حینما تعاون الصفویون مع التتار والصلیبیین ضد العرب المسلمین، وھو ما یحصل الیوم حیث نجد الصفویین العرب والفرس یقفون مع امریكا ضد الامة العربیة في العراق وغیره لتدمیر حصون العرب وتذویب الھویة القومیة للامة العربیة .لقد جاء الاسلام تعبیرا شرعیا ومطلوبا عن ثقافة العرب في جانبھا الایجابي على صعید الحیاة الدنیویة، و(ھزة حیویة)، القت بعیدا بثقافة الشرك والظلام واحلت محلھا ثقافة التوحید، التي عبرت عن ارتقاء ھذه الرسالة بعد تجارب الدیانتین التوحیدتین الیھودیة والمسیحیة وتھیئتھما للبشر لدخول عالم الاسلام، في فترات استغرقت اكثر من الفي عام، انتقل فیھا البشر من الدیانات الوثنیة البدائیة، التي كانت نتاج الخوف من الطبیعة والكون اكثر من الایمان بالله الى دیانات التوحیدي ابراھیم الخلیل العراقي المولد والثقافة . بھذا التدرج التربوي نجح الاسلام في ھضم وتجاوز كل الثقافات التي كانت سائدة قبلھ وصار دینا متبلورا بعد ان كان ثقافة قومیة سائدة فقط. في ھذه البیئة القومیة عاش عفلق، وملایین العرب المسیحیین، مؤمنا بالله وابنا شرعیا للثقافة العربیة ومواطنا عربیا بارا، خصوصا لجزئھا المقوم وھو الاسلام. ان الاسلام لیس دینا فقط، كما راینا، بل ھو ایضا ثقافة قومیة للعرب تشكل روح الامة، والامم بدون الروح محض (لحظات) عابرة وضائعة في كون لا نھائي وبالغ التعقید . البعث التقط ھذه اللحظة التاریخیة) اللحظة بمعناھا الفلسفي ولیس الزمني أي القوة التي تنقلنا من حالة الى حالة اخرى بزخم انقلابي شامل) واختار ان یكون حزبا قومیا عربیا، لانھ یعیش في بیئة عربیة ویمثل تطلعات امة عربیة، لكنھ دمج الاسلام عضویا بالقومیة العربیة بتاكیده ان العروبة جسد روحھ الاسلام. بھذه التولیفة العبقریة اعاد عفلق تحدید صلة الاسلام بالعروبة على نحو مدھش في دقتھ المبدأیة واللغویة. فاولئك الذین حاولوا وضع تعارض بین العروبة والاسلام باسم الاسلام وقعوا في فخ الجمود وعدم القدرة على فھم روح الاسلام، فاوجدوا منظومة فكریة ساذجة، لان التخلف في الفھم لا یجد مخرجا لھ سوى السذاجة التكفیریة التي تحل الاشكالات المعقدة بطریقة كاریكیتیریة مدمرة للفكر الخلاق وللحلول الصحیة. البعث اكتشف ما انقطع المسلمون عن الایمان بھ والتعامل بھ منذ انحطت الخلافة الاسلامیة واصبح الاسلام غریبا في داره، وھو ان القومیة العربیة بلا الاسلام ما ھي الا جسد مادي سیاتي یوم یموت فیھ كما یموت اي جسد، لذلك وللحفاظ على دیمومة القومیة العربیة كان لابد ان تكون لھا روح تمیزھا عن موجة القومیات الوظیفیة التي ظھرت في اوربا، فكانت عملیة اعادة البعث اكتشاف جوھر كل من العروبة والاسلام بالدمج العضوي بینھما. لقد عادت الروح الى جسد الامة بعد ان فارقتھا بانحراف الخلافة وتدھورھا، وحطت روح الامة (الاسلام) في جسد مادي ھو القومیة العربیة، كي تستطیع ان تتعامل مع عالم مادي بفعالیة تامة ونجاح محسوب من خلال طلیعة مقاتلة ھي الحركة البعثیة . اننا نحن البعثیون، المسلمون في ثقافتنا القومیة مھما كانت دیانتنا، فتحنا طریق البعث الاسلامي الحقیقي من خلال فتحنا الاول وھو فتح البعث العربي، فلن یكون ھناك بعث اسلامي من دون ان یسبقھ البعث العربي. ھذا ماحصل عند ظھور الاسلام والذي اقترن ببعث عربي شامل وحد العرب، اولا وقبل كل شيء ووضع القبلیة في الخلف، ثم قام العرب ببناء عالم اسلامي وحضارة عربیة توجت بقیم الاسلام امتدت من الصین الى اوربا، وما كان بالامكان قیام ھذه الدولة الاعظم في وقتھا لولا الایمان العمیق بان للعرب رسالة خالدة انسانیة الطبیعة توحیدیة الجوھر. ان الصحابة والفاتحین الاوائل كانوا رجال مھمات تاریخیة وحملة رسالة خالدة ولم یكونوا دعاة سیاسة او فتوحات امبراطوریة ھدفھا النھب او السیطرة، كما فعلت امبراطوریات سادت ثم بادت كالامبراطوریة الفارسیة، لانھا بلا رسالة روحیة وانسانیة وانما كانت محض توسع لصوصي لا محرك لھ سوى الناسوت وبغیاب تام للاھوت . اذن البعث حزب ایماني في اصلھ وجذوره، وھو المؤھل اكثر من غیره للبعث الاسلامي ولكن بعد تحقیق البعث العربي ولیس قبل ذلك ابدا. وھذا الكلام لیس دعایة حزبیة بل ھو واقع عاشھ العراقیون عندما استلم البعث السلطة، وكان دستوره متوجا ببند غالب وھو (الاسلام ھو المصدر الاساسي للتشریع) ولیس مصدرا من مصادر التشریع، وھذا المفھوم مھم وجوھري. كما ان الممارسة العملیة قد شھدت اعظم رعایة للدین والعلماء، تمثلت في تحمل كل اعباء رعایة دور العبادة، الاسلامیة والمسیحیة والصابئیة وغیرھا، وتخصیص رواتب تساوي راتب الوزیر للمراجع الدینیة اضافة لكافة الامتیازات المالیة والاعتباریة في المجتمع. وشھد العراق لاول مرة في تاریخھ حملة ایمانیة منظمة وطویلة الامد شملت كوادر الحزب والدولة وصار بموجبھا التثقف بالفقھ الاسلامي وختام القران شرطا للترقیة الحزبیة والوظیفیة، فانخرط ملایین البعثیین في الحملة الایمانیة الفریدة في التاریخ العربي والاسلامي الحدیثین .

في ضوء ما تقدم نجد ان البعث حزب مؤمن بطبیعة بنیانھ العقائدي ولا صلة تربطھ باي شكل مع العلمانیة الغربیة والتي سجنت الدین ورجالھ في الكنیسة ومنعتھم من التدخل في السیاسة، لكنھ ونظرا للتعددیة في المذاھب الاسلامیة، من جھة وتعددیة الدیانات للمواطنین العرب من جھة ثانیة، فان حكم رجل الدین بالنسبة للبعث امرا خطیرا ومدمرا للوطن ووحدتھ وللاسلام ووحدتھ وللمواطنة ودورھا. ان الاسلام یعاني من تعددیة المذاھب سنیة وشیعیة، ولو كانت ھذه التعددیة مجرد اجتھادات ومدراس فقھیة یكمل بعضھا البعض الاخر لامكن تقبل الامر، لكن الامر المعقد ھو اننا لا نتعامل مع طوائف وجودھا طبیعي بل مع طائفیة انعزالیة وتكفیریة واقصائیة في كلا طرفي الاسلام، ومن المستحیل ان تتفاھم فیما بینھا على مستوى الواقع ولیس على مستوى ظواھر الامور. ولكي نتجنب السرد والتنظیر لدینا مشھد حاسم وواضح بما یكفي لادراك مخاطر التعدد الطائفي وانتاجھ الحتمي للطائفیة كلما ضعفت الرابطة القومیة او الوطنیة . لقد قدمت لنا تجربة العراق المحتل صورة حقیقیة لمخاطر الطائفیة نرى انھا حسمت الى الابد الجدل حول حكم رجال الدین والمرجعیات الدینیة، فلقد حصل0 الاحتلال بفضل تعاون الطائفیة الصفویة، ممثلة بالحوزة الصفویة الایرانیة في النجف والتنظیمات التابعة لایران، والاحزاب الطائفیة السنیة ممثلة بالحزب الاسلامي، وكانت تلك اول خطیئة لا یمكن غفرانھا لكلا الطرفین لان التعاون مع الاستعمار الامریكي المدفوع بتاثیر صھیوني واضح وثابت اضافة للدافع الراسمالي اللصوصي، انما ھو خروج فاضح على كل قواعد الدین والوطنیة. دافع الصفویین كان خدمة المصالح الایرانیة التي حددتھا الزعامة الایرانیة بوضوح وھي تدمیر العراق العربي المستقل وتقاسمھ مع امریكا واسرائیل، في حین ان دافع التنظیمات السنیة الطائفیة كان تدمیر البعث والقضاء على نظامھ الوطني! ھذا الخروج على الدین لم یكن الخطیئة الوحیدة بل انھ انتج الخطئة الثانیة وھي التعامل مع الوضع العراقي على اساس طائفي، فكلا التیارین الصفوي والطائفي السني اراد ان یفرض مفھومھ للاسلام، فحصل الصدام بینھما وكفر احدھما الاخر واصبح من المستحیل توافقھما . ان كل حزب ینشأ على اساس طائفي في الاسلام لابد وان یواجھ حتمیة لا مفر منھا وھي تكفیر الطرف الاخر علنا او سرا، وھكذا راینا الطائفیة الصفویة تعد السنة بصفة عامة نواصب سرقوا الاسلام من اھلھ ولابد من القضاء علیھم لاجل اعادتھ الى اھلھ! اما الطرف الطائفي السني فقد عد الشیعة العراقیون روافض خارجین على الاسلام ولابد من تصفیتھم بھذه الطریقة او تلك! لقد شھد العراق في ظل الاحتلال محاولات متعمدة لاحداث فتنة طائفیة كبرى من خلال الاعداد والدعوة لتصفیات دمویة طائفیة اساسھا التكفیر، وكان یمكن ان تكون كارثة لا نظیر لھا لولا المقاومة الوطنیة العراقیة التي حددت ھدفھا في تحریر العراق كلھ، وضمت في صفوفھا كل الاطیاف العراقیة مما ادى الى تحجیم مشروع تمزیق العراق على اسس طائفیة. لقد جرت الطائفیة المتقابلة العراق الى كوارث انسانیة لم تحصل في كل تاریخھ واستنزفت قسما كبیرا من طاقات العراقیین في القتال بین ھذه الجماعات التكفیریة في الطرفین بینما كان ممكنا ان تضاف ھذه الطاقات للحملة الوطنیة العظمى لتحریر العراق التي تقوم بھا المقاومة . ماذا كانت النتیجة؟ حفر خندقان طائفیان لا یلتقیان ابدا حولا الصراع من صراع تحرري الى صراع بین عراقیین! وھذه اعظم خدمة قدمت للاحتلال بعد تسھیل غزوه! ومن الملاحظات الخطیرة التي تؤكد ان الطائفیة تنتج الخیانة اشھار الطائفیین من الطرفین لمواقفھم0ا الحقیقیة، وممارسة كافة اشكال التحقیر والشتائم فیما بینھما لدرجة ان الصفویین تعاونوا ویتعاونون مع الاحتلال لنصرة مذھبھم ومقابل ذلك تعاون الطائفیون السنة مع الاحتلال اولا لتدمیر العراق وثانیا للقضاء على الشیعة! ھذا ھو بؤس الفكر والتفكیر الدیني الطائفي، وتلك نتائجھ الحتمیة وقانونھ المطلق .

ما جرى اعاد طرح السؤال المنطقي التالي : اذا افترضنا ان الاحزاب الدینیة السنیة والشیعیة وصلت للحكم فماذا سیحدث؟ ھل ستتمكن من الاتفاق على الحكم بشكل مشترك؟ الجواب الذي اكدتھ التجربة العراقیة ھو ان افضل ما تتمناه اسرائیل والغرب ھو وصول احزاب اسلامیة للحكم، لان الطریق الوحید الذي ستسلكھ ھو تطبیق مفاھیمھا الطائفیة وھو موقف سیخلق رد فعل طائفي من الطرف الاخر وھكذا ینغمس المسلمون في صراع حول من یمثل الاسلام حقا. ان من المستحل تصور امكانیة تخلي حزب او جماعة طائفیة عن مسلكھا او اھدافھا والا لم نشأت اصلا الطوائف؟ اننا بازاء مشكلة عملیة وفقھیة وھي انھ لا یوجد تفسیر للاسلام متفق علیھ بین الطوائف الاسلامیة ومن ثم فان سعي ھذه الاحزاب لاستلام السلطة ھو سیر مفتوح نحو الاصطراع الاسلامي – الاسلامي. ربما یقول البعض ان ھذا المنطق ان انطبق على العراق لانھ منقسم الى شیعة وسنة وبنسبة متقاربة، فانھ لا یصلح لاقطار اخرى یشكل السنة فیھا الاغلبیة. وھذا المنطق دحضتھ الاحداث الاخیرة، فاولا لا یجوز في الاسلام الحدیث عن الاغلبیة والاقلیة لان الجمیع متساوین بمعاییره وبمعاییر الوطنیة والمواطنة، وثانیا ان الحركة الصفویة تقابلھا التیارات الطائفیة السنیة تتنافس على تبشیرھا الطائفي وتصرف ملیارات الدولارات لشراء الناس او لاقناعھم بالتخلي عن طائفتھم. انظروا الى التحرك الایراني في سوریا مثلا، حیث الاغلبیة سنیة ماذا یحدث؟ ایران تصرف الملایین شھریا لشراء فقراء السوریین بالمال لتغییر طائفتھم! انظروا لمصر السنیة والتي زجت زجا في حربین تتصاعدان منذ رحیل المرحوم جمال عبدالناصر، فھناك حرب كلامیة تتخللھا صدامات بین المسلمین والاقباط، وھناك محاولات نشطة لخلق طائفة شیعیة في مصر ! وفي المغرب العربي ھناك نشاط ایراني واضح جدا لنشر التشیع الصفوي، یقابلھ نشاط محموم للطائفیة السنیة للحفاظ على التسنن وعدم السماح بالتبشیر الصفوي! لقد جرت الطائفیة الامة العربیة لظروف ھي الاسوأ والاخطر في كل التاریخ الاسلامي، لدرجة ان التامر الصھیوني الغربي وتنفیذ مخططات تقسیم واحتلال اقطار عربیة والاعداد لاحتلال اخرى لم یردع الطائفیین ویدفعھم لتوحید الصفوف لمواجھة اعداء الاسلام، والذي حصل ھو العكس تماما، فالطائفیة الصفویة تعاونت وتتعاون مع امریكا ضد العراق والسنة، والطائفیة السنیة تتعاون مع نفس الطرف وھو امریكا للقضاء على التوسعیة الصفویة الایرانیة! فاي غباء ھذا الذي یجعل الطائفیین من مختلف الجھات یرى انھ یتعاون مع اعداء الاسلام ضد مسلمین ومع ذلك لا یتراجع! وفي خضم الصراع مع امریكا والصھیونیة تتوغل الطائفیة السنیة والشیعیة في مجاھیل اللاعقلانیة فتكفر البعثیین رغم انھم یخوضون صراع الحسم مع امریكا والصھیونیة! وھذا یعني ان الطائفیة حالما تبدأ الیاتھا الذاتیة بالعمل تجد نفسھا عاجزة عن ایقاف دوران عجلة التكفیر حتى للسلفیین والطائفیین من نفس الجماعة! انھا لعنة التفتیت والشرذمة التي اصابت تنظیمات لاترى ابعد من انفھا .

وفي ضوء ما تقدم یطرح السؤال التالي : ما الحل؟ ھل نتخلى عن الاسلام بسبب ھذا الخلل البنیوي في التنظیمات الاسلامیة؟ الجواب ھو كلا، فالامة لا تستطیع التخلي عن روحھا وھو الاسلام، وما یجب فعلھ ھو تحریر الاسلام من السرطان الطائفي عبر العمل من اجل اسلام بلا طوائف، اسلام عام مصدره الاساس القران، وما یتقف علیھ المسلمون من السنة النبویة في ضوء ما ورد في القران. كیف ذلك؟ وماھو الطریق العملي للوصول الیھ؟ ھنا نصل الى الفھم البعثي للاسلام. نعم لقد دعا البعث للعلمانیة ولكن اي علمانیة؟ انھا علمانیة عزل الطائفیة عن تطبیق الاسلام سیاسیا من خلال اعتماد دستور الدولة على الاسلام العام المجرد من الطوائف بصفتھ المصدر الرئیس للتشریع، لان ھذا الاعتماد یفرض حتمیة لا یمكن التملص منھا وھي نزع المفاھیم الطائفیة من الاسلام لیكون قاعدة التشریع الاساسیة وتجنب كل ما من شانھ اثارة الفتن بین المسلمین. ویمكن تطبیق ذلك بجعل الانتماء لطائفة امرا شخصیا او خاصا لا یدخل في اطار الاسلام المعتمد قاعدة للتشریع في الدولة، وھذا ینطبق على غیر المسلمین، فالدولة ھي لكل الشعب ولیس لطائفة منھ مھما كانت صغیرة او كبیرة، والواجب الدیني والوطني والقومي یفرض على الدولة ان تمثل الجمیع مواطنیھا، وان تتجنب كل ما من شانھ التمییز بین المواطنین على اي اساس غیر المواطنة والمساواة امام القانون . وھنا یجب ان نوضح بان رجال الدین وبسبب انتماءھم الى طائفة ما لا یصلحون لتولي الحكم مباشرة لانھم سیواجھون مشكلة فقھ وموقف اي طائفة یعتمدون؟ لكن ذلك لا یحرمھم من حق ممارسة السیاسة بصفتھم مواطنین وتولیھم المسؤولیات العامة في الدولة. بھذه الطریقة فقط یمكن التخلص من سرطان الطائفیة ونحافظ على وحدة الاسلام والوطن ونمنع اقتتال المسلمین. ھذا ھو الفھم البعثي للاسلام وھذا ھو المعنى الدقیق للعلمانیة البعثیة، والتي بخلاف علمانیة اوربا لا تتجھ لعزل الدین عن الدولة ما دامت الدولة طبقا للبعث عمادھا الاساس في التشریع ھو الاسلام، بل لعزل الطائفیة وحصرھافي مناطق خاصة وشخصیة، ولیس تصفیتھا، لتجنب الانقسامات والصراعات الطائفیة .

بماذا تتمیز اشتراكیة البعث؟

نأتي الان الى اخر مصادر وینابیع البعث وھو الاشتراكیة، والتي لفقت الرجعیة الدینیة ضدھا القصص والاقاویل الباطلة خدمة لانظمة فاسدة ومفسدة. كیف یفھم البعث الاشتراكیة؟ وھل ھي تختلف عن الاشتراكیة الشیوعیة؟ واذا كان الجواب نعم یطرح سؤال اخر : كیف تختلف واین؟ قبل الاجابة على ھذه الاسئلة من الضروري تحدید معنى الاشتراكیة لانھا ظلمت من قبل التیارات الدینیة بشكل عام . الاشتراكیة من حیث الجوھر ھي الحل المطروح للمشاكل الاجتماعیة التي تفسد المجتمع، وفي مقدمتھا الفقر الناجم عن فوارق الطبقات الحاد، وما یترتب على الفقر من امراض خطیرة كالامیة والفساد والتخلف والصراعات الاجتماعیة…الخ.

فالاشتراكیة بھذا التحدید ھي النظام الذي یزیل الفقر من اساسھ بتحطیم نظام الفوارق الطبقیة الكافرة، وتوفیر الحاجات الاساسیة للانسان مثل الخبز والتعلیم والطب والخدمات الاخرى التي تحرر الانسان من العوز المادي فتتھاوى بقیة الامراض الاجتماعیة . الاشتراكیة اذن نظام اجتماعي یحمل الدولة مسؤولیة توفیر احتیاجات الانسان الاساسیة لاجل تحریره من عوائق الابداع والعمل الاجتماعي المنتج وازالة الشرور التي ینتجھا الحرمان والفوراق الطبقیة. لذلك فانھا نظام انساني واخلاقي في نفس الوقت یعید للانسان انسانیتھ ویحفظ كرامتھ ویوفر لھ المناخ الملائم للتحرر من الفساد وكل الامراض التي تتولد تلقائیا من الفقر مباشرة او بصورة غیر مباشرة. والسؤال الجوھري ھنا ھو ھل یوجد دین سماوي یرفض الاشتراكیة مع انھا ترید اقامة العدالة الاجتماعیة وازالة الظلم؟ الجواب یعتمد على الصورة النمطیة التي رسمتھا الدوائر الغربیة للاشتراكیة مقتبسة النموذج الشیوعي على اساس انھ النموذج الشائع للاشتراكیة. فما ھي ھذه الصورة النمطیة للاشتراكیة التي تقبلتھا احزاب دینیة بلا تمحیص؟ اول مظاھر الصورة النمطیة ھي صورة اشتراكیة الحادیة اقترنت بالمادیة الجدلیة وھي الفلسفة الكونیة للشیوعیة، والتي اطلقت المقولة الشھیرة : (ان الكون لم یخلقھ الھ او انسان وانما ھو نتاج التطور والصدفة)! ثم اكملت صورة الاشتراكیة الظالمة بنشر مقولة الشیوعیة ایضا وھي )الدین افیون الشعوب)! بھاذان الموقفان وضعت الاشتراكیة في سیاق مناقض للدین والایمان الدیني دون نظرة موضوعیة تمییزیة بین الانواع المختلفة للاشتراكیة، كما سنرى. اما المظھر الاخر للصورة النمطیة للاشتراكیة فھي وصفھا بانھا نظام یلغي الملكیة الفردیة ویحرم الانسان من التملك. واخیرا ولیس اخرا قدم المظھر الثالث للصورة النمطیة للاشتراكیة بوصفھا انھا اممیة تتجاوز الحدود القومیة وتتعامل مع البشر كلھم على قدم المساواة. ھل ھذه الصورة النمطیة للاشتراكیة صحیحة؟ دعونا نتناول الاشتراكیة البعث لنرى كم ان تلك الصورة ظالمة وغیر صحیحة . ھناك ثلاثة اختلافات جوھریة بین اشتراكیة البعث والاشتراكیة الماركسیة – اللینینیة، وھي الاختلاف الفلسفي – الدیني والاختلاف حول الملكیة، والاختلاف حول القومیة. فالبعث یرفض الربط القسري المصطنع وغیر المبرر بین النظرة الفلسفیة للماركسیة – اللینینیة ، وھي المادیة الجدلیة التي انكرت وجود الله وعدت الدین افیون الشعوب، ویرى اي البعث، ان الاشتراكیة مفھوم اجتماعي یعالج الفقر والفوارق الطبقیة واثارھما ولیس لھ صلة بالفلسفة الجدلیة ولا باي مفھوم فلسفي اخر یتناول الكون والطبیعة. لقد تناولت المادیة التاریخیة، وھي الفلسفة الاجتماعیة للماركسیة – اللینینیة، الاشتراكیة من زاویة اجتماعیة تاریخیة، وھذا صحیح، لكنھا حینما اعتبرت ان الماركسیة – اللینینیة ھي فلسفة شمولیة تفسر المجتمع والطبیعة بنفس الوقت افسدت على نفسھا البیئة الاجتماعیة للناس المیالین بالطبع للایمان بالله. لذلك فان البعث یرفض المادیة الجدلیة ویعدھا موقفا فلسفیا اقحم على نحو مصطنع على الاشتراكیة والتي تقول بان اصل الشرور الاجتماعیة ھوالحرمان المادي الناجم عن فوارق الطبقات، وھو موقف صحیح، ویرى البعث ان الایمان بالله ھو الجزء المقوم في الوعي الاجتماعي السلیم والذي یدعم الاشتراكیة من زاویة ان العدالة الاجتماعیة ھي مطلب دیني، لان الله خلق البشر ولم یخلق الفوارق الطبقیة بینھم وساوى بینھم في القیمة الانسانیة . ومن مظاھر احتواء الاسلام للاشتراكیة التجربة الغنیة لعھد الخلفاء الراشدین حیث كانت الثروة تقسم بالتساوي بین المسلمین ولا فرق بین خلیفة ومواطن عادي وقصة الخلیفة عمر بن الخطاب رضي الله عنھ مع ابنھ عبدالله حول قطعة القماش مشھورة، كما ان الامام علي كرم الله وجھھ قال (لو كان الفقر انسانا لقتلتھ) في اشارة الى ان مصدر الشرور الاساسي في المجتمع ھو الفقر. في ھذا الاطار راینا البعث یرفض الفكر الالحادي الشیوعي منذ نشوءه ویؤكد على ان الاشتراكیة البعثیة ایمانیة ولیست الحادیة وانھا تتوافق مع تعالیم الاسلام وتخدم ھذه التعالیم . واذا تناولنا المیزة الاخرى لاشتراكیة البعث وھي انھا لا تحرم الملكیة على وجھ الاطلاق وانما تحرم الملكیة الاستغلالیة وتسمح بالمكیة الفردیة على ان تخضع لشرط حاسم وھو انھا یجب ان تقع ضمن سیادة الملكیة العامة لوسائل الانتاج الكبرى. وبھذا المعنى فان الاشتراكیة البعثیة توفق ما بین الملكیة العامة المسؤولة عن تامین عدالة المجتمع وانتاجھ وخدماتھ، وبین الملكیة الفردیة التي تلبي الحاجات الطبیعیة للانسان في التملك بصفتھ احد اھم حوافز العمل والانتاج والابداع لدى الانسان. ان منع الملكیة الفردیة یفضي الى خمول الانسان وتدھور ملكتھ الابداعیة لان الحافز الشخصي للعمل یعطل او یضعف وھذا ھو احد اھم اسباب فشل الشیوعیة وتدھورھا . واخیرا ولیس اخرا فان البعث رفض الاممیة الشیوعیة لانھا كاي اممیة اخرى تقفز من فوق القومیة مع ان الاممیة، سواء كانت دینیة او شیوعیة، یجب ان تمر اولا بالرابطة القومیة، وتعترف بھا بصفتھا وضعا انسانیا طبیعیا لا یمكن القفز من فوقھ. اذ كیف یمكن ان تقام الاممیة اذا كانت الرابطة القومیة غیر مبنیة او مقامة؟ یجب اولا اكمال الوحدة القومیة قبل التفكیر بوحدة اوسع، تماما كالبناء العالي فانك لا یمكنك من الوصول الى اعلاه الا اذا بنیت ادناه . أذن الاشتراكیة البعثیة ھي نظام اجتماعي یوفر بقواعده البیئة المناسبة لتفرغ الانسان للنشاطات الروحیة بلا قلق او ضغط الحاجة المادیة او تھدیدھا للانسان یومیا بعد توفیر احتیاجات الانسان، وھو نظام یفتح المجال امام النشاط الفرد اقتصادیا لانھ عامل ابداع وحافز انتاج، ویكمل دور الدولة في تامین السلع والخدمات لافراد المجتمع الانساني، وبقدرة الاشتراكیة على تحریر الانسان من الخوف من غده یتفرغ للعمل المنتج وللقضایا الروحیة والثقافیة ویلج عالم تفجیر طاقاتھ الانسانیة الكامنة ممھدا لرقي الانسان خلقیا ومادیا. والسؤال ھنا ھو : ما الذي یجعل الدین ضد الاشتراكیة البعثیة؟ بالتاكید ان الاسلام ھو المصدر الاساس لاشتراكیة البعث وكل من فھم الاسلام على نحو صحیح توصل الى استنتاج صحیح اخر وھو ان الاسلام بذاتھ یتضمن الاشتراكیة الایمانیة . خلاصات واسنتتاجات ختامیة اولا : ماھي اھم میزات البعث عن غیره من الاحزاب والحركات الدینیة والعلمانیة

والقومیة والماركسیة؟ ھناك ظاھرة تكوینیة ولادیة مشوھة او ناقصة في التنظیمات العربیة، فھي اما احزاب اسلامویة ترفض القومیة والاشتراكیة مع انھما ظاھرتان لا یمكن اقصائھما من جسد الامة السلیم، او ھي احزاب قومیة تتنصل عملیا من الاسلام مع انھ روح العروبة، واغلبھا یھمل الاشتراكیة او یتبنى اشتراكیة ھي في الواقع تخریج بورجوازي او اقطاعي للاستغلال مع ان ازالة الفقر والفوارق الطبقیة شرط مسبق لنھضة الامة وتقدمھا. وھناك احزاب اشتراكیة كالاحزاب الشیوعیة ترفض الاسلام والقومیة لذلك تبقى الامة تعاني من مشاكل التجزئة في عصر الكتل الكبیرة وزمن الفقر الروحي الذي لن یزول الا بالاسلام . البعث نجح في دمج كل ھذه الضرورات الحیاتیة فبرز حزبا قومیا اشتراكیا روحھ الاسلام .واذا نظرنا الى الساحة العربیة لن نجد حزبا اخرا یجمع ھذه السمات الثلاثة. یضاف الى ذلك ان البعث ھو التنظیم العربي الوحید الذي انتشر في الوطن العربي ویعمل تحت قیادة واحدة وتنظیم واحد لیعبر عن وحدة الامة العربیة على المستوى الشعبي تمھیدا لقیام الدولة العربیة الواحدة من المحیط الى الخلیج العربي. لذلك لا یمكن للمرء الا ان یرى في ظل الاوضاع الحالیة ان البعثي ھو وحده من یحمل في یمینھ القران وفي یساره الاشتراكیة وفي عقلھ القومیة وفي قلبھ الحریة. وتلك اسلحة جبارة وبالغة الحسم یقاتل البعثي بھا وھي متعددة ولا یملكھا غیره .

ثانیا : بدمج ھذه العناصر الجوھریة الاربعة وتجسیدھا فكرا وتنظیما في البعث اكتسب ھذا الحزب صفتھ التاریخیة، وھي صفة لا تسبغ الا على الاحزاب والحركات التي تستمر عقودا وقرونا من الزمن لانھا تحمل رسالة عظمى یحتاج تطبیق مضامینھا الى مراحل زمنیة طویلة. ان الحزب التاریخي ھو الذي لا ینشأ تلبیة لرغبة فردیة او طارئة بل ھو ذلك التنظیم الذي یحدد امراض الامة ویقرر العلاجات الجذریة لھا ثم یبدأ عملا ستراتیجیا طویل المدى لتنفیذ اھدافھ ، بمعزل عن قیاداتھ التاریخیة او التي تلیھا بحكم تقدم الزمن. فالحزب التاریخي حركة تخضع لالیات موضوعیة تستقل حتى عن مؤسسیھا ومن یتولى القیادة فیھا. ولعل افضل تجسید لتاریخیة البعث ھو انھ یعمل على تحقیق اھداف عظمى وجوھریة لا تتحقق بسھولة بل تحتاج لنضال قاس وتضحیات لا حدود لھا وزمن طویل وخدمة اجیال متعددة، فتتكون سایكولوجیا تاریخیة لدى مناضلي الحزب تنقلھم من كونھم افرادا عادیین الى نوع خاص من البشر سمتھ الابرز انھ صاحب رسالة یھب نفسھ للامة وقضایاھا ویتقبل الموت من اجلھا كضرورة من ضرورات الحیاة النضالیة. وھذه الصفة غابت عن حیاة العرب منذ انتھاء عصر الصحابة ووجدھا العرب في البعثیین الذین جسدوا مفھوم البطولة الاسطوریة ورفض الخنوع والاستسلام للعدو الخارجي وللدیكتاتوریات داخل الوطن العربي. ان البعث في العراق قد فتح ابواب تجذره واكتسابھ الصفة التاریخیة اعتبارا من محاكمات المھداوي ( ١٩٥٩ ) التي شھدت بطولة نادرة عبر عنھا من كانوا في قفص الاتھام یواجھون احكام الاعدام دون اي خوف او تراجع، وكان ابطال البعث یردون على المھداوي شتائمھ بكلام قاس ویتحدونھ ویتحدون الدیكتاتور قاسم رحمھ الله. وبعد حوالي نصف القرن من تلك المحاكمات شھد العالم مجددا دلیلا اخرا على تاریخیة البعث حینما اسر قائده الرفیق الشهيد صدام حسین امام المجاھدین رحمه الله، وقسم كبیر من قیادتھ نتیجة احتلال العراق، ووقفوا یتحدون الاستعمار واعوانھ ویحولون المحاكمة الى منبر لتعبئة الملایین من الناس ولتجنید الاف البعثیین الجدد وكشف الاحتلال، وھكذا بدل الاستمرار في شیطنة البعث عبر تلفیق الاكاذیب برز البعث حزبا لافضل المناضلین واشدھم ایمانا بالله وبالمبادئ السامیة للبعث .

ثالثا : لقد سبقت البعث حركات ورافقتھ اخرى على طریق النضال، واعقبت نشوءه احزاب كثیرة، وبعض ھذه التنظیمات نشات تلبیة لحاجة حقیقیة لكنھا نكصت وتراجعت وتلاشت او اصبحت ھامشیة لانھا لم تكن تمثل الامة بكامل احتیاجاتھا القومیة والاسلامیة والاشتراكیة بل اختارت التعبیر عن جانب من مشاكلھا، فكتب على تلك التنظیمات الزوال وبقي البعث متألقا یضيء سماء الامة العربیة بافكاره ومبادئھ السامیة. وھذه الحقیقة تفرض على كل منصف وموضوعي ان یبحث فیھا ویتامل في دلالاتھا، من خلال السؤال التالي : لم بقي البعث رغم اعدام واغتیال الالاف من مناضلیھ وشن حملات شیطنة لھ ھي الاكبر والاذكى في كل التاریخ الانساني، فیما زالت احزاب اخرى لم تتعرض لجزء بسیط مما تعرض لھ البعث؟

رابعا : لقد طور البعث مفھوما جدیدا عصریا وعملیا للاسلام، من حیث التطبیق والممارسة، وھو انھ طرح مفھوم الاسلام العام المجرد من الطائفیة والطوائف بصفتھ المصدر الاساسي للتشریع في الدولة البعثیة وطبق ذلك فعلا، فنجح في تجاوز مخاطر الشرذمة داخل الاسلام الناجمة عن الطائفیة التكفیریة بكافة اشكالھا. فالاسلام البعثي ھو الاسلام العام المجرد من الطوائف والمعتمد على القران الكریم بصفتھ المرجع الحاسم في تقریر صواب او خطأ كل ما ورد في التراث الاسلامي من اتجاھات في المجتمع والحكم على الفتاوى والنظریات الاجتھادیة الدینیة .ان الاسلام العام ھو وحده الذي یسمح بانطلاقة عربیة وحدویة وتقدمیة واسلامیة ناجحة وبلا عقد وتحدیات التشرذم الطائفي الذي لا یحقق الا اھداف اعداء العرب والمسلمین.

خامسا : الاسلام كدین لا یكفي لوحده للبقاء والانتشار وتطبیق مبادئھ لانھ بحاجة لبیئة صحیة تسمح بفعلھ الخلاق، وھذه البیئة ھي الجسد المادي لھ الذي یسنده في حركتھ الاجتماعیة والنضالیة، ویستخدمھ كقوة روحیة لا تقھر عندما تجتمع بجسد مادي. فما ھو الجسد المادي للاسلام؟ انھ القومیة العربیة التي كانت قاعدة الفتوحات الاسلامیة عند بدء الرسالة الاسلامیة، والتي كان ضعفھا السبب الرئیسي في تدھور الخلافة الاسلامیة. ان قوة الدولة لا تكون مستمرة ومتطورة باستمرار الا اذا اعتمدت على عنصرین عنصر الروح، وھو الاسلام، وعنصر المادة والجسد لتلك الروح وھو القومیة العربیة. وبتكامل ھذین العنصرین تحدث النھضة القومیة والاسلامیة. اما اذا اعتمدنا على نظریات خیالیة تقول بان ابناء الامة الاسلامیة دون تمییز یمكنھم بناء الدولة الموحدة لكافة العرب والمسلمین فاننا لن نصل الى الاھداف المرسومة بل سنصطدم بجدار العصبیات القومیة العنصریة الفاعلة داخل شعوب اسلامیة مصالحھا القومیة اقوى وارسخ من اسلامھا. وتجربة العرب مع الفرس اثناء حیاة الدولة العباسیة مثال على ھذه الحقیقة، كما ان دور ایران الان القائم على التعاون مع امریكا لتسھیل غزو العراق وافغانستان وتدمیرھما وتنفیذ مخطط اسرائیل لتقسیم الوطن العربي طائفیا وعرقیا، كما اعترف خاتمي وغیره رسمیا، ھو تأكید على اسبقیة الانتماء القومي على الانتماء الدیني لدى الفرس. من ھنا فان نشر مبادئ الاسلام ھي بالاصل مھمة العرب ورسالة العرب، وبترسیخ دور العرب ھذا في قیادة النھضة العربیة والاسلامیة یمكن دمج دور الشعوب الاسلامیة الاخرى في دائرة محكمة التحدید وبعد خلق توازن ردع یمنع طغیان النزعات والمصالح القومیة داخل الحركة الاسلامیة العالمیة كما یحلم البعض .

سادسا : لماذا فشلت كل محاولات اجتثاث البعث منذ الھجمة الشیوعیة والقاسمیة والبارزانیة الدمویة في عامي ١٩٥٨ و ١٩٥٩ وحتى الغزو الامریكي، الذي تبنى لاول مرة في تاریخ العالم شعارا جسده في قانون اسمھ (قانون اجتثاث البعث)؟ لقد فشلت محاولات اجتثاث البعث، رغم اعدام الالاف من مناضلیھ وتعذیب الاف اخرى منھم حتى الموت، لسبب بسیط وھو ان البعث حركة تاریخیة لھا اھداف حبیبة على قلوب الجماھیر وتجد فیھا انقاذا لھا من واقع التخلف والظلم والفساد والضعف، ولذلك وما دامت ھذه الاھداف (الوحدة العربیة والحریة والاشتراكیة) غیر متحققة فان البعث سیبقى خالدا تتبدل قیاداتھ وتتغیر بیئتھ لكنھ یبقى جبلا راسخ الصمود یتحدى الاعاصیر ویدفع بالامة العربیة نحو فجر التحرر من الاستعمار والجوع والتخلف والفساد الاجتماعي والروحي .

سابعا : واخیرا ولیس اخرا من الضروري الانتباه الى حقیقة بارزة ومھمة جدا وھي ان البعث ینفرد من دون كل القوى السیاسیة ودون استثناء، اسلامویة وعلمانیة، بكونھ حزبا یجمع بین اھم اشتراطات الاسلام بشكل خاص والدیانات السماویة الاخرى بشكل عام، وھو انھ حزب انقلابي یشترط على البعثي ان ینقلب على ذاتھ اولا كي یستطیع قلب المجتمع الفاسد. بمعنى انھ حزب یعید تشكیل قیم واخلاق ومنطلقات مناضلیھ الاجتماعیة، بتحریرھم من سیئات وموبقات المجتمع الفاسد، لیتمكنوا من التحول الى قدوة محترمة، وھذا ھو منطلق الاحزاب الدینیة، ولكن البعث لا یكتفي بالوعظ التربوي والاخلاقي بل انھ یخوض تجربة تغییر المجتمع مادیا وجذریا بالقوة او بغیرھا لاجل القضاء على ینابیع الفساد الاساسیة، وھي الفقر الذي ینجب اولاده الشرعیین : الامیة والتخلف والانحطاط الاخلاقي بكافة اشكالھ، وتلك ھي مھمة الاحزاب الاشتراكیة والدنیویة. من ھنا فان البعث یحتوي ویجمع في روحھ، وعلى نحو عبقري وخلاق، بین متطلبات الدنیا والدین، ویدمج بین قوانین الحیاة الواقعیة، وفي مقدمتھا ان الانسان الحر لا یمكن ان ینشأ الا في مجتمع حر ومتحرر من الجوع والامیة والتمییز، وبین قوانین الاسلام وفي مقدمتھا ان المسلم كي یكون مسلما علیھ ان ینقلب على ذاتھ اولا وقبل ان یتولى مسؤولیة تغییر المجتمع .

أیھا البعثیون: ھل عرفتم الان سر خلودكم وخلود رسالة البعث وقدرتھ على التغلب على كل التحدیات والعودة اقوى واوضح وارسخ مما كان بعد كل جولة اضطھاد یتعرض لھا ؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.