حزب البعث في سطور

 

حزب البعث في سطور

إن حزب البعث العربي الإشتراكي، حزب قومي عربي شامل، له تنظيماته في كل الأقطار العربية ، وهو ينطلق من الإيمان بأن العرب في جميع أقطارهم يشكلون شعباً واحداً وأمة واحدة .. ويؤمن بأن العرب لابد أن يتوحدوا في وطن واحد ومن واجبهم أن يعيشوا في دولة عصرية واحدة ، ويؤمن بأن للأمة العربية رسالة في هذه الحياة تؤديها تجاه نفسها وتجاه الإنسانية كما سبق لها في ماضيها العريق أن فعلت ، لذلك يقول شعارها المركزي ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) .

 لذلك فهو ليس حزباً سياسياً عادياً كبقية الأحزاب التي شهدتها الساحة السودانية يمينها ويسارها ، وإنما هو حزب من طراز متقدم في فكره وفي منهجه وفي أسلوبه النضالي المستند على الجماهير الكادحة وعلى قدراتها الذاتية من أجل تحقيق أهدافها وتطلعاتها ، وجديد في تنظيمه القومي وبنيانه الداخلي القائم على مبدأ المركزية الديمقراطية وعلى قيم النضال وخدمة الشعب ، وكانت نشأته في سوريا منذ الثلاثينيات من القرن الماضي حيث بشر مؤسسوه بأفكاره وكتبوا عنها في الصحف، إلا أن ولادته الرسمية كانت بإنعقاد مؤتمره التأسيسي في 7/4/1947م بدمشق، أما ولادته في السودان فكانت عام 1960م كضرورة فرضها عجز كافة الأحزاب التي نشأت في قطرنا عن فهم قضايا الواقع الوطني فهماً صحيحاً ، وعن شق طريق جديد ديمقراطي ومستقل ، فمنذ نشأته أعتبر نفسه إمتداد طبيعي لكل الحلقات المشرقة في تاريخ السودان القديم والحديث . إذ تجاوز النزعة الإقليمية والإصلاحية إذ استطاع أن يكون حركة ثورية ترتبط بمصالح أوسع الجماهير الشعبية الكادحة في السودان وتستوعب كافة مشكلاتها وتضع لها الحلول والمعالجات الجذرية الشاملة ، وفي الوقت نفسه تربط نضال شعبنا في السودان بنضال أمتنا العربية ضد التجزئة والتخلف والتبعية ونضال القارة الأفريقية من أجل التحرر والتقدم ، وذلك من خلال برنامج متكامل سنتعرض له في نهاية هذا الكراس .

نشأة ونضال الحزب في السودان :

كانت ولادة البعث في السودان إمتداد طبيعي لكل الحلقات المشرقة في تاريخ السودان القديم كما في تاريخه الحديث والحركة الوطنية السودانية المعاصرة بدءً بالثورة المهدية التي عبرت عن أقصى درجات النزوع النهضوي التحرري في نهايات القرن التاسع عشر مروراً بثورة 1924م ، وحركة اللواء الأبيض، تلك الحركات التي خرجت من صلب الحركة الوطنية ضد الإستعمار، والتي كانت ترتكز في نضالها على التراث العربي الإسلامي التحرري كتعبير عن هوية الشعب السوداني وتستمد قوة دفعها وشعورها بهويتها الحضارية من ذاكرة التراث العربي الإسلامي في عصوره المجيدة .

لقد سبقت الولادة الحقيقة لحزب البعث في السودان وجود تيار قومي عروبي نشأ بشكل عفوي على شكل منظمات في المدارس والجامعات تحت مسميات مختلفة شكلاً ولكنها متوحدة في المضمون تحمل نفس الأفكار والمبادئ العامة للبعث أسهمت فيه بشكل كبير تأثيرات تجربة جمال عبد الناصر وحزب البعث في المشرق العربي ، أطلق عليها منظمات الإشتراكيين العرب، فكانت الولادة الحقيقية للحزب في السودان عام 1960 حيث تكونت أول خلية حزبية في قلب هذه المنظمات وكان الحزب يقود هذه المنظات من الداخل قيادة طوعية ديمقراطية بفضل تفوق مناضليه النوعي وإمتلاكهم لرؤية فكرية وسياسية واضحة ، ولكنه كان يقوم بهذا الدور بشكل سري حفاظاً على وحدة هذه المنظمات وحرصاً على عدم الإصطدام مع الناصرين في ظل الخلافات التي ظهرت بين تجربة البعث في سوريا وتجربة جمال عبد الناصر ، فكان تركيز الحزب في البداية على نشر أفكار البعث ومبادئة أكثر من الكسب الكمي لصفوف الحزب، وحرص الحزب منذ نشأته على إدامة صلته بالمركز القومي والقيادة القومية ومشاركته في المؤتمرات القومية للحزب، مستفيداً من تجاربها وتوجيهاتها . وكان للحزب منذ نشأته مواقفه ونضالاته الوطنية المشهودة ضد دكتاتورية نظام عبود وسياساته في الحل العسكري لقضية جنوب السودان من خلال إصداره للبيانات والصحف والنشرات وتنظيمه للحملات السياسية المناهضة لتلك السياسات ومن إجل إستعادة الديمقراطية الأمر الذي أدى إلى أعتقال وتشريد عدد من مناضليه، وإصداره للتحليلات السياسية ومن أهمها تحليل عام 1962م الذي تنبأ بحدوث ثورة أكتوبر وصراعه السياسي مع التيارات السياسية الأخرى كالشيوعيين والأخوان المسلمين والأحزاب التقليدية ، إضافة إلى تنظيمه للتظاهرات وإصداره للبيانات الداعمة للقضايا القومية في الوطن العربي ولا سيما قضية فلسطين وحرب حزيران 1967م . ولم يعمل الحزب بإسمه الصريح إلا في يناير 1976م ، وكان يناضل طوال الفترة السابقة تحت إسم قيادة منظمات الإشتراكيين العرب . ومنذ ذلك التاريخ بدأ الحزب يرمز نفسه في أروع صور البطولة والمواقف الجريئة والمبدئية والصدامية مع الأنظمة الدكتاتورية سيما نظام مايو من الخلال الدور المشهود الذي لعبه في إسقاطه .  

القومية :

من أفكار ومبادئ الحزب الأساسية أنه حزب قومي عربي شامل له تنظيماته في كل الأقطار العربية ، وهو ينطلق من الإيمان بأن العرب في جميع أقطارهم يشكلون شعباً واحداً وأمة واحدة ، وبالتالي يبقى من حقهم بل من واجبهم أن يتوحدوا في دولة عصرية واحدة ، وإن القومية هي الرابطة التي تجمع بين أبناء الأمة الواحدة ، وأن القومية العربية تقوم على رابطة التاريخ المشترك واللغة الواحدة والمصير المشترك الذي يجمع كل العرب . وبالتالي فإن القومية في تفكير حزب البعث العربي الاشتراكي لا تقوم على العنصر أو الدم أو العرق .. الخ ، وإنما هي رابطة حضارية وثقافية ترفض العشائرية والقبلية والطائفية والعنصرية ، والعربي – كما جاء في دستور الحزب – هو ( من كانت لغته العربية وعاش في الأرض العربية أو تطلع للحياة فيها وآمن بإنتسابه للأمة العربية ) والقومية ليست شئ محصور في العرب وحدهم ، إنما كل شعوب العالم من حقها أن تناضل من أجل تحقيق شخصيتها القومية المستقلة وأن يكون هناك تعاون حر بين قوميات متحررة ومنفتحة على بعضها البعض . وليست هيمنة قومية أو دولة على العالم وخضوع شعوب العالم لها ، لما فيه خير البشرية وتلك هي الإنسانية الصحيحة والتي تعترف بالخصائص القومية لكافة الشعوب، فقوميتنا تحررية وإنسانية .

ولذلك كان من الطبيعي أن يتفهم حزب البعث قضايا ومشاكل الأقليات أو الجماعات القومية غير العربية الموجودة في الوطن العربي وحقوقها المشروعة وأن يعمل على معالجتها مثل الأكراد والبربر وسكان الإقليم الجنوبي في السودان .. الخ ، وهذه الجماعات تواجدت مع القومية العربية في مكان واحد وترابطت معها عبر تاريخ طويل وأصبح مصيرها مشترك مع مصير القومية العربية ، لذلك فإن حزب البعث العربي الإشتراكي لم يكن فقط حزب ( القومية العربية ) ولكنه حزب كل المواطنين الذين يسكنون في الوطن العربي بغض النظر عن أصولهم العرقية ولهم حق الانتساب لحزب البعث وهو يعمل على تحقيق حكم ذاتي للأقليات أو الجماعات القومية وعلى إعطاء تلك الجماعات كل حقوقها السياسية والقومية والثقافية بما يمكنها من الحفاظ على شخصيتها والتفاعل الطوعي السلمي الحر والديمقراطي مع القومية العربية ، ولكن ضمن وحدة القطر الواحد بما لا يؤدي إلى تجزئة الأرض العربية وإضعاف الأمة العربية  في مواجهة مصالح الدول الاستعمارية .

أهداف الحزب :

الوحدة والحرية والاشتراكية :

إن حزب البعث يرى أن أهداف النضال العريي تتلخص في تحقيق الوحدة العربية والحرية والاشـتراكية بإعتبارها أهداف مترابطة لا يجوز فصـلها عن بعضها البعض أو التخلي عن أي واحد منها ، لأن الأمة العربية تعاني من أمراض التجزئة القومية والتبعية والإســتعمار والتخلف وكبديل للتجزئة كانت الوحدة وكبديل للتبعية كانت الحرية وكحل لمشـكلة التخلف كانت الإشتراكية .

  إن الوطن العربي به الآن أكبر إحتياطي للنفط في العالم وهو يسيطر على طرق الملاحة البحرية العالمية الهامة ،وهو مهبط الديانات السماوية ، الأمر الذي جعل له أهمية حضارية كبرى ، ومن هنا كان تركيز الإستعمار على الوطن العربي وتجزئته إلى أكثر من عشرين دولة لإضعافه والسيطرة عليه ، وأن الوحدة العربية هي أكبر سلاح بيد العرب في مواجه الإستعمار . ومن ناحية أخرى فإن كل قطر على حده لا يمتلك كل المقومات الإقتصادية والبشرية التي تمكنه من القضاء على التخلف وبناء إقتصاد متين ، أما الوطن العربي كمنطقة واحدة تتوفر فيه إمكانات إقتصادية وبشرية متنوعة تمكنه من القضاء على التخلف واللحاق بركاب العالم المتقدم ، فالبلدان المتقدمة نفسها تسعى للتكتل في وحدات إقتصادية كبرى كالسوق الأوربية المشتركة والإتحاد الأوربي وغيرها . إن واقع التجزئة التي بذرها المستعمر، هي ليست مسألة حدود سياسية فحسب، وإنما هي تعبير عن مصالح الفئات المتحالفة مع الإستعمار، فالتجزئة هي المناخ الذي يعيش فيه المستعمر وأعوانه، والوحدة ستنسف الحدود الإقليمية والمستعمر وعملائه، فالوحدة ستتيح للعرب فرص واسعة للتنمية والإنطلاق إلى أمام . بهذا تكون الوحدة العربية هي المنطلق الجدي لمناهضة الإستعمار والتحرير، وهي الإطار البشري والإقتصادي للإشتراكية والعدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للثروة ، فأدوات تحقيق الوحدة ومادتها هو الشعب العربي وتتحقق الوحدة عندما يرتفع مستوى النضال لمستوى هذا الهدف العظيم .     

  كما أن الحرية تعني تحرير الوطن العربي من كل أشكال السيطرة الإستعمارية سواء كانت عسكرية أو سياسية أو إقتصادية أو ثقافية .. الخ . وتحرير المواطن العرب نفسه من قيود التخلف والفقر والجهل والأمية ، تلك القيود التي تشله وتكبل إمكانياته من التفتح ليصير إنساناً حراً قادراً على المساهمة بفاعلية في خدمة نفسه وبناء الحضارة الإنسانية . فأعباء النضال من أجل التحرر قد أصبحت في تزايد خاصة بعد ظهور شبح العولمة كتحدي أصبح يهدد كل المظاهر الأخلاقية والثقافية في حياتنا.

أما الإشتراكية فهي الحل الجذري الحاسم لمسألة التخلف الإقتصادي والاجتماعي . إن طريق التطور الرأسمالي يجمع الثروة في يد فئة قليلة من المواطنين على حساب الأكثرية الساحقة من الشعب ويفتح الباب أمام الأجنبي لينهب موارد البلاد ، أما الاشتراكية فهي تعني أن يستخدم العرب مواردهم الإقتصادية بأنفسهم للقضاء على التخلف وبناء مجتمع مزدهر ومتقدم وتوزيع الدخل توزيعاً عادلاً بين المواطنين حيث يزول إستغلال الإنسان للإنسان ويأخذ كل ذي حق حقه وتعمل الدولة على توفير الخدمات الضرورية لكافة المواطنين لتحقيق الحياة الحرة الكريمة .

وإشتراكية البعث ليست كالإشتراكية الشيوعية التي هي وليدة الواقع الأوربي والتي لا تؤمن بملكية الفرد الأمر الذي يتنافى مع الطبيعة البشرية وواقع المجتمع العربي .

أهم مميزات فكر البعث:

ومن أهم مميزات فكر البعث أنه يؤمن بمبدأ الشعبية أي بأن الشعب هو وسيلة النضال وغايته في الوقت نفسه ، وأن مصالح الجماهير لا يمكن تحقيقها إلا بالجماهير التي تنظم نفسها في تنظيمات سياسية ومهنية إجتماعية بشكل ديمقراطي وطوعي وتساهم بفعالية في إتخاذ القرار وتطبيقه . فالديمقراطية هي التي تحرر طاقات الإنسان للإبداع والخلق وتتيح الفرصة أمام الجماهير لإختيار ممثليها طوعياً .

كما يؤمن البعث بالأخلاقية في النضال والتطابق بين الغاية والوسيلة ، أي أن الوسيلة يجب أن تكون نبيلة وشريفة كما أن الغاية نبيلة ، فكونه يؤمن بالقومية العربية والوحدة العربية أقام حزباً واحداً موحداً لكل الوطن العربي بقيادة قومية واحدة ولكونه يؤمن بالحرية والديمقراطية فإنه لم يتبع أساليب غير أخلاقية في إجراء الانتخابات كما تفعل الأحزاب الأخرى .

ويؤمن حزب البعث بالثورية ، ويقف ضد النظرة الإصلاحية لأن الإصلاح يعني القبول بأسس الواقع الفاسد مع معالجة بعض الظواهر التي توجد فيه أو إختفاء الظاهرة بشكل مؤقت ، إن ما تحتاجه الأمة العربية ليس الإصلاح الجزئي المؤقت ، وإنما الثورة الشاملة على الواقع الفاسد والتغيير الجذري لإجتثاث أسباب جميع المشكلات التي يعاني منها المجتمع ، كما يؤمن بالإستقلالية في السياسة الدولية والتعامل الندي الحر بين الأمم .

ويؤمن بالإنقلابية ، بمعنى الإنقلاب على الواقع الفاسد بتغييره ، والإنقلاب على النفس ،بمعنى مغادرة حالات السلبية ونمط الإنتماءات والولاءات الضيقة كالقبلية والجهوية .. الخ .

الموقف من الدين والتيارات الدينية السياسية :

   لقد إتخذ حزب البعث منذ البداية موقفاً إيجابياً من الدين بشكل عام ، ومن الدين الإسلامي بشكل خاص ، وقد ظهر ذلك في أقوال القائد المؤسس للحزب حيث قال : ( القومية العربية جسد روحه الإسلام ) و ( لقد كان محمد كل العرب فليكن كل العرب اليوم محمداً ) .. ( نحن لا نرضى عن الإلحاد ولا نشجع الإلحاد ونعتبره موقفاً زائفاً في الحياة ، موقفاً باطلاً وضاراً وكاذباً .. إذ أن الحياة معناها الإيمان ) . فليس بين البعثيين ملحداً . كما إن حزب البعث يؤمن بأن العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة متينة لا يمكن فصمها وإن الإسلام مكون أساسي للشخصية العربية . فالإسلام حركة عربية نزل على النبي العربي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأن إختيار العرب لتبليغ رسالة الإسلام كان بسبب مزايا وفضائل أساسية فيهم ، واللغة التي نزل بها كانت اللغة العربية وفهمه للأشياء كان بمنظار العقل العربي والفضائل التي عززها كانت فضائل عربية ظاهرة أو كامنة ، حيث يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )  ولكن هذا لا يعني بالطبع أن الإسلام وجد ليكون مقصوراً على العرب وإنما هو رسالة خلقها عربي ومراميها المثالية إنسانية . ولكن أول واجب تفرضه إنسانية الإسلام إذن هو أن يكون العرب أقوياء سادة في بلادهم بما يتطابق مع الحديث النبوي الشريف ( إذا عز العرب عز الإسلام ) .

ولا يتعارض موقف البعث مع مقولة أن ( الإسلام صالح لكل زمان ومكان ) ولكن إذا فهم جوهره الحقيقي الصحيح ومعانيه ومراميه كرسالة أساسها الحق والعدل والمساواة ، لأن الدين الحقيقي هو دوماً مع المظلومين ومع الثائرين على الفساد . وحزب البعث إذ يؤكد ذلك يؤمن في الوقت نفسه بحرية العقيدة الدينية وعدم التفريق بين المواطنين على أساس ديني والمساواة بين كل المواطنين بغض النظر عن قناعاتهم الدينية .

ومن ناحية أخرى فرق البعث تفريقاً واضحاً بين الدين وبين التيارات الدينية السياسية التي تريد أن تجعل الدين غطاءً لأهوائها ومصالحها ونظرتها السياسية للواقع ، لأنها تستخدم الدين كغطاء للسياسة وتعمل على تقسيم الوطن العربي على أساس ديني أي إلى مسلمين ومسيحيين وكذلك تقسيم القطر الواحد على هذا الأساس كما تعمل على تقسيم المسلمين أنفسهم إلى طوائف دينية تتحارب مع بعضها البعض ، الأمر الذي يؤدي إلى ضرب وحدة الجماهير وخدمة مصالح الإستعمار الذي يسعى لأحداث المزيد من التجزئة في الوطن العربي ، أما القومية العربية فهي تعمل على توحيد كافة العرب في جميع أقطارهم وبمختلف دياناتهم وطوائفهم لمواجهة الإستعمار وتحقيق وحدتهم القومية .

قضية فلسطين :

لقد إهتم حزب البعث منذ نشأته إهتماماً بالغاً بالقضية الفلسطينية وأعتبرها خلاصة القضية العربية وقضيته المركزية . لذلك فهو لا يعترف بالكيان الصهيوني ويعتبره كيان إستعماري استيطاني دخيل وقاعدة متقدمة للإستعمار تستهدف الثورة في الوطن العربي والحفاظ على أوضاع التجزئة والتخلف والتبعية وضرب الوحدة العربية ، وهو بالتالي خطر يهدد مقدسات العرب في المسجد الأقصى بل يهدد الوجود القومي للأمة العربية ، لذلك يناضل الحزب ضده بكافة الوسائل العسكرية والسياسية والإقتصادية من أجل تصفيته وتحرير كامل التراب العربي الفلسطيني ، ويرى حزب البعث أن الحكومات العربية والتي لا تسير على طريق الوحدة العربية ولا تؤمن بالجماهير وبالديمقراطية هي أكبر عقبة في طريق تحرير فلسطين لإرتباطها بالمصالح الأمريكية والإمبريالية في الوطن العربي برضوخها للتسويات الإستسلامية . لذلك قال مؤسس البعث منذ عام 1946 ( فلسطين لا تنقذها الحكومات العربية إنما العمل الشعبي المسلح ) من خلال حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد التي مادتها كل الجماهير العربية وساحتها كل الوطن العربي . وهكذا يفصح الواقع منذ عام 1948 وحتى الآن عن حقيقة عجز هذه الأنظمة وعجز جامعتها العربية ، ويكشف بالمقابل عن دور حركة الثورة والإنتفاضة الشعبية في ردع هذا الكيان الصهيوني رغم قصور إمكاناتها المادية .

تجربة ثورة يوليو في العراق :

 إن ثورة 17- 30 يوليو / تموز 1968 في العراق تشكل نموذجاً أصيلاً لمبادئ وأهداف حزب البعث العربي الإشتراكي ، فهي تمكنت خلال فترة قصيرة من نقل العراق من واقع التخلف والتبعية والإستغلال ووضعه في طريق الديمقراطية والتقدم الاقتصادي والإجتماعي ومكنته من أن يلعب دوراً فاعلاً في الدفاع عن الوجود القومي للأمة العربية .

لقد أقدمت الثورة في العراق على تصفية شبكات التجسس الأجنبية وأقامت سلطة وطنية وقومية تقدمية ومستقلة لا تخضع للضغوط الأجنبية من أي جهة كانت وتتصرف في شئون البلاد الداخلية والخارجية بإرادة وطنية وقومية حرة ، حيث تأكد الإستقلال السياسي الكامل للعراق ، ومن ناحية أخرى حققت الإستقلال الإقتصادي الناجز بتأميم الثروة النفطية تأميماً كاملاً وشاملاً وإنهاء أي سيطرة أجنبية على أي قطاع من قطاعات الإقتصاد الوطني وتحققت التنمية الإقتصادية والصناعية التي أوصلت العراق إلى إقتحام الفضاء بصاروخ ( العابد ) وكذلك التنمية الزراعية بشكل واسع في العراق بحيث أصبح يتمتع بقاعدة إقتصادية متينة تقوم على أساس الإشتراكية والتوزيع العادل للدخل القومي بين المواطنين .

وعلى صعيد آخر تمكنت الثورة من معالجة المسألة الكردية على أساس الحل الديمقراطي السلمي بإعطاء الأكراد الحكم الذاتي في إطار العراق الموحد وإعطائهم كامل حقوقهم القومية والثقافية والحضارية وإحداث التنمية الشاملة في المنطقة الكردية على أساس التنمية المتوازنة لكل أنحاء القطر وإقامة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي تشكلت من عدد من الأحزاب، وكذلك إجراء الانتخابات البرلمانية وقيام المجلس الوطني ، وبناء جيش عصري وقوي حدبث وقيام المنظمات الجماهيرية والاتحادات والنقابات العمالية والفلاحية والطلابية والنسائية والمهنية ، والقضاء على الأمية .

كذلك إنتهاج سياسة مبدئية قائمة على الدفاع عن الوطن العربي ضد الطامعين فيه من خلال التصدي الحازم للعدوان الإيراني على الجناح الشرقي للوطن العربي ودعم نضال الشعب الفلسطيني بكل الوسائل والدفاع عن العراق نيابة عن الأمة العربية في وجه كل الإعتداءات المتكررة منذ عام 1990 مروراً بسنوات الحصار الثلاثة عشر وانتهاءً بالدفاع البطولي في معركة الحواسم ضد العدوان الأمريكي البريطاني المستمر والمقاومة العراقية الباسلة المستمرة والتي ستتكلل بالنصر المؤزر إن شاء الله بخروج المحتل .

فقد تصدت هذه التجربة لسلسلة من المؤامرات والإعتداءات بحكم تجاوزها للخط الأحمر كما تدعي الإمبريالية ، التي عملت ليل نهار من أجل إسقاط تجربة البعث ، وعندما فشلت في ذلك تجاوزت قوانين العصر بالرجوع للإحتلال وهو نوع من الإفلاس الحضاري . لقد أفرزت تجربة ثورة تموز في العراق القيادة التاريخية للبطل صدام حسين ، شهيد الحج الأكبر رحمة الله الذي كان أسطورة فذة في القيادة والشجاعة والفكر النير . إن إحتلال العراق لايعني سقوط تجربة البعث ، لأنها لم تسقط بفعل جماهيري وإنما بفعل عدوان خارجي ، وهكذا تفصح الأيام عن قدرة المقاومة العراقية البعثية الباسلة على تجريع الهزائم المنكرة للمحتلين والصفويين الإيرانيين والعملاء.

ودمتم شرفاء وطنيين من أجل الوطن والأمة